اختيار جديد
ليس وعد بلفور الصادر فى 2 نوفمبر 1917 وحده هو سبب الصراعات والتوترات والحروب المتواصلة فى المنطقة العربية وإنما سبق هذا الوعد مؤتمر اخطر من وعد بلفور اطلق عليه مؤتمر كامبل بدأت اعماله عام 1905 واستمر عامين كاملين صدرت وثيقته المعروفة باسم وثيقة كامبل وهى وثيقة سرية لم يكشف النقاب عنها وقتها وانما تسربت بعد سنين طويلة لما فيها من اسرار خطيرة تخص حاضر ومستقبل دول المنطقة العربية وكانت كثير منها ان لم تكن كلها تحت نير الاستعمار البريطانى والفرنسى والايطالي.
حزب المحافظين البريطانى هو صاحب الدعوة للمؤتمر وكانت الدعوة سرية ما يدل على ان هدف المؤتمر خطير ولا ينبغى ان يعرف به احد خارج النخبة صاحبة المصلحة هدفه إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن ودعيت إليه إلى جانب الدولة الاستعمارية الام بريطانيا كل من فرنسا وهولندا وبلجيكا واسبانيا وايطاليا وتشكلت لجنة عليا تضم كبار مسئولى الدول الاستعمارية السبع إلى جانب كبار علماء التاريخ والاجتماع والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والبترول واستعرض المؤتمر الأخطار التى يمكن ان تنطلق من تلك المستعمرات فاستبعد قيام مثل تلك الأخطار فى كل من الهند والشرق الاقصى وافريقيا والمحيطين الاطلنطى والهادى نظراً لانشغالها بالمشاكل الدينية والعنصرية والطائفية وبُعدها عن العالم المتمدّن وأن مصدر الخطر الحقيقى على الدول الاستعمارية إنما يكمن فى المنطقة العربية بعد ان أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعياً قومياً ضد التدخل الأجنبى والهجرة اليهودية ومن ان خطورة الشعب العربى تأتى من عوامل عدّة يملكها مثل وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال وتزايد السكان ولم ينس المؤتمر أيضاً عوامل التقدم العلمى والفنى والثقافي. ورأى المؤتمر ضرورة العمل على استمرار وضع المنطقة العربية متأخرا وعلى ايجاد التفكك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية وخاضعة لسيطرتها ولذا أكدوا فصل الجزء الأفريقى من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوى وضرورة إقامة «الدولة العازلة» كى تصبح مصدرا للتوتر وتمثل عدوا وتكون دولة وظيفية من وظائفها ان تخلق العداوات المستمرة والتوترات وتقوم بالاعتداءات واحتلال الاراضى وتمثل تهديدا مستمرا لإشغال دول المنطقة عن تحقيق اهدافهم فى التقدم والتطور وتحقيق نهضة صناعية وزراعية وتنمية شاملة ووحدة سياسية واقتصادية وتمثل جسرا للاستعمار يسهل لها العبور والهيمنة على المنطقة دون عراقيل أو مشكلات أو معارضات أو مواجهات وكانت هذه القواعد مقدمة لمنح الوعد المأسوف عليه وعد بلفور بعد انتهاء المؤتمر بعشر سنوات اى عام 1917.
بعد مداولات وجلسات ولجان استمرت 24 شهرا توصل المشاركون إلى نتيجة واضحة أن البحر المتوسط هو الشريان الحيوى للاستعمار لأنه الجسر الذى يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعى إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم وهو مهد الأديان والحضارات والإشكالية فيه هو أنه كما ذكر فى الوثيقة يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان ولذلك جاءت اخطر التوصيات ضرورة إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات: الأولى دول الحضارة الاوروبية وهى دول أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا والواجب نحوها هو دعمها ماديا وتقنيا لتصل إلى مستوى الدول السبع الاستعمارية والفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية لكن لا يوجد تصادم حضارى معها ولا تشكل تهديدا عليها مثل دول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها والواجب تجاهها هو احتواؤها ودعمها بالقدر الذى لا يشكل تهديدا عليها وعلى تفوقها.. الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية ويوجد تصادم حضارى معها وتشكل تهديدا لتفوقها وهى بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام والواجب تجاهها هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها فى هذا المجال ومحاربة أى اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر لإقامة دولة على ارض فلسطين تكون بمثابة حاجز بشرى قوى وغريب ومعادى يفصل الجزء الأفريقى فيها عن القسم الآسيوى لكى يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب الا وهى دولة «إسرائيل»وأداة معادية لسكان المنطقة وفصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا ليس فقط فصلاً مادياً عبر الدولة الإسرائيلية وإنما اقتصادياً وسياسياً وثقافياً لابقاء العرب فى حالة دائمة من الضعف.
هذه هى القصة من جذورها التاريخية اعتمدت على توطين اليهود فى فلسطين ثم طرد الفلسطينيين وتهجيرهم قسريا وبالقوة اذا لزم الامر وهو ما حدث فى بعض مراحل الصراع وها هم يحاولون الآن تهجير ما تبقى بالقوة وبحرب الابادة وبالجرائم ضد الانسانية لكن مصر دائما كانت ضد التهجير القسرى ولذلك اطلق الرئيس عبد الفتاح السيسى تحذيراته ورفض سياسة النزوح الجماعى وعندما تعلق الامر بالتهجير الى سيناء اعلن بكل وضوح وصراحة وشجاعة ان ذلك خط احمر ورغم المراوغات والمساومات والضغوط والاغراءات فشلت كل المحاولات امام صخرة الموقف المصرى الصلب وفى النهاية فرضت مصر رؤية الرئيس حول التهجير القسرى إلى سيناء على الجميع ورضخ الكل وسلم بالموقف المصرى واعلنوا على الملأ وامام العالم بعد ان اقتنعوا انهم ضد التهجير القسرى وحتى الاختياري.