بالحسني
ترى ماذا يخلف الموقف الأمريكى الداعم والمشارك بكل قوة لعملية الإبادة التى تقوم بها اسرائيل لأهل فلسطين المحتلة فى غزة بل فى الضفة الغربية؟!.. فإسرائيل تقوم أمام أعين أمريكا بقتل الاطفال والنساء والمدنيين العزل وتستهدف المرضى فى المستشفيات وعربات الإسعاف وتستهدف المدارس وتمنع الوقود حتى يموت الناس فى المستشفيات وحتى لا تتم الاسعافات المطلوبة للمحتاجين إليها.. وتبرر أمريكا ما تقوم به اسرائيل وتشترك فى مجلس الحرب وتشكك فى أرقام القتلى المدنيين من الفلسطينيين وتتبنى ادعاء اسرائيل حول ضربها للمستشفيات وتضغط لتهجير الفلسطينيين إلى غزة، ثم تتراجع أمام موقف مصر الحاسم وموقف الفلسطينيين المتشبث بأرضهم.. وتدعى أمريكا أن اسرائيل تلتزم بقوانين الحرب وترفض دعوات وقف القتال وهى ترى التدمير البشع الذى تم فى غزة.. بل انها تقدم لإسرائيل السلاح وتشارك بالخبراء وتحميها من دول قد تغضب لأهل غزة ببوارجها فى البحر.. والسؤال الذى طرحناه فى أول المقال عما يخلفه هذا الموقف الأمريكى تجاه الاطفال وتجاه الإنسانية، لا شك أن الشعوب العربية ستزداد كراهية لأمريكا، وتزداد يقينا بأنها العدو الأول لها، وأن قصة الصداقة العربية- الأمريكية قصة خرافية لا تنطلى على أكثر الاطفال سذاجة.
فهل كسبت أمريكا بذلك؟!
الغريب، أن أمريكا مشغولة بصورتها أمام الشعوب العربية ودعت خبراءها فى وقت ما، خاصة بعد أحداث سبتمبر ليجيبوا على سؤال لماذا يكرهوننا؟!، الذى أطلقه الرئس الأمريكى بوش الصغير، الذى دمر أفغانستان ودمر العراق وأعلن مبدأه الذى فيه ما فيه من إرهاب لمن له رأى آخر: «من ليس معنا، فهو ضدنا».
والغريب، أن الظالم فى كل زمان ومكان لا يقبل التفسيرات الحقيقية.. فترك الامريكان ما قاله المحايدون بأن القضية الفلسطينية هى لب المشكلة بما تكتنفه من دعم للباطل الصهيونى على حساب الحق العربي، فضلا عن الكيل بمكيالين لصالح غير العرب والمسلمين فى كل القضايا التى ترتبط بالعرب وغيرهم، بل ضيقوا على هؤلاء المحايدين وتعقبوهم وأخرسوهم، ثم نشروا التفسيرات غير الصواب، التى تركز على أن الكراهية بسبب التمييز الأمريكي، وان الامريكان ديمقراطيون والعرب والمسلمين يكرهون ديمقراطية أمريكا ويكرهون ما للمرأة من حقوق فى الغرب.. وكلام كثير لا علاقة له بالحقيقة.
كما قام متخصصون عرب بمحاولة الإجابة على نفس هذا السؤال، من خلال كتاب «صناعة الكراهية فى العلاقات العربية- الأمريكية»، وشارك فيه ثمانية من كبار المتخصصين العرب.. وقدموا لمن أراد المعرفة الأسباب الحقيقية التى هى وراء الكراهية لأمريكا، ومن أهمها اكتشاف العرب والمسلمين أن موقف امريكا من الديمقراطية وحقوق الإنسان، يخضع لاعتبارات المصلحة الأمريكية.
إذن، فأمريكا بموقفها الأخير المساند لإسرائيل دون استخدام أدنى أسلوب للياقة السياسية فى التعبير عن موقفها، سيفقد أمريكا أى تعاطف معها لدى الجماهير الإسلامية، بل ولدى دول كثيرة فى العالم كانت تعول عليها فى قضية مساندة الحق، بل ستجعل مصالحها مُعرضة للخطر من قبل بعض التنظيمات المتشددة، بل هذا الموقف سيعرّض أصدقاءها وأصدقاء اسرائيل لمشكلات كثيرة فيما يتعلق بالتطبيع الاقتصادى والسياسى الذى كانت بعض الدول العربية تتجه إليه فى خطى متسارعة.
ورغم محاولات أمريكا الحديث عن ضغطها على اسرائيل للقبول بهدنة إنسانية أو الامتناع عن قتل المدنيين.. إلا أن أحداً لم يصدقها، لأن موقفها المبدئى المؤيد لإبادة الفلسطينيين وطردهم من أرضهم إلى سيناء وإلى الأردن كان واضحاً ومكشوفاً، وكذلك لأن ما تقوله شيء وما تفعله شيء آخر.