كلام بحب
مأساة الفلسطينيين بدأت فى مثل هذا اليوم من 106 سنوات عندما وقع وزير خارجية المملكة المتحدة «آرثر بلفور» على رسالة إلى الثرى اليهودى اللورد ليونيل دى روتشيلد لينقلها إلى الاتحاد الصهيونى بمساعدة بريطانيا لليهود بإقامة وطن قومى لهم فى فلسطين.
هذه الرسالة التى أطلق عليها «وعد بلفور» كانت فى 2 نوفمبر 1917 خلال الحرب العالمية الأولي.. وأثبتت الوثائق «التى أفرج عنها» أن ألمانيا عدو بريطانيا فى هذه الحرب كانت ستقوم باتخاذ نفس الخطوة وإعلان وطن لليهود فأراد بلفور أن يسبقها لضمان تأييد الجاليات اليهودية فى أوروبا وأمريكا الذين يسيطرون على عالم المال والأعمال ويتحكمون فى وسائل الإعلام الدولية.. وبعد الحرب وانتصار الحلفاء وهزيمة الألمان والدولة العثمانية التى كانت تسيطر على فلسطين التى وضعت تحت الانتداب البريطانى طالب اليهود بتنفيذ الوعد وبدأت المأساة!!.
ساعدت بريطانيا اليهود على الهجرة إلى أرض فلسطين.. وظلوا يتزايدون خاصة بعد نشوب الحرب العالمية الثانية واضطهاد النازية لهم.. وبعد أن كان عددهم 48 ألفاً فى عام 1917 وصلوا إلى 650 ألفاً عندما أعلنوا قيام دولتهم فى 15 مايو 1948 بعد أن ألغت بريطانيا الانتداب وتركت أهل فلسطين فريسة سهلة بلا سلاح.. وأجبر العرب على الدخول فى حرب ودولهم مستعمرة وهم غير مستعدين فكانت «النكبة»!!.
.. وحتى لا يتعجب البعض من مواقف الدول الغربية وأمريكا وتأييدها السافر لإسرائيل فى حربها الحالية ضد الفلسطينيين.. فعليهم أن يعودوا للتاريخ.. وإذا كانت بريطانيا هى التى صنعتها.. فإن الولايات المتحدة كانت أول من يعترف بها بعد ٥ دقائق من إعلان الدولة العبرية وتبعتها دول أوروبا التى وفرت لها الحماية وتضمن تفوقها ليس على فلسطين فقط ولكن على كل الدول العربية مجتمعة.. لذلك لا عجب.. ولكن علينا مواجهة الحقيقة وعدم انتظار أن يقف هؤلاء مع الحق أو نطالبهم بالعدالة والإنسانية واحترام حقوق الإنسان.. فهم زرعوها ليفرقوا العرب ويتخلصوا منهم.. ولن تهزم أو يؤثر فى مشاعرهم آلاف الأطفال الذين تقتلهم قوات الاحتلال الإسرائيلى فى غزة كل يوم!!.
قبل أن نتحدث عن مخططات «نتنياهو» التوسعية.. فهناك درس مهم من وعد بلفور لعلنا نستفيد منه.. وهو تأثير عائلة ثرية فى قرارات دولة عظمى فقد استطاع «روتشيلد» وهو من أغنياء العالم وبريطانيا أن يقنع بريطانيا التى لا تغيب عنها الشمس أن تمنحه وعداً يعطيه لصديقه حاييم وايزمان وللصهاينة ليقيموا وطناً لهم.. وللأسف لدينا رجال أعمال وأثرياء و»مليارديرات» وعائلات كبيرة من المحيط إلى الخليج ماذا فعلوا لفلسطين ولباقى القضايا العربية ولبلدانهم؟!
نقترب من شهر كامل يتم خلاله ضرب غزة بوحشية فى حرب إبادة ربما لم تعرفها البشرية منذ إبادة الهنود الحمر «سكان أمريكا الأصليين».. ومازالت الأمم المتحدة عاجزة عن وقف إطلاق النار بسبب «الفيتو الأمريكى الغربي».. وحتى بعد أن قامت الجمعية العامة بواجبها واتخذت قراراً بموافقة 120 دولة ضد 14 فإن أمريكا وحلفاءها يعادون العالم ويصرون على منح إسرائيل وجيش الاحتلال الضوء الأخضر للاستمرار فى هجومهم وغزوهم لغزة وتهجير أكثر من مليون فلسطينى من أراضيهم ومنازلهم بعد هدمها وتسويتها بالأرض!!.
بلفور بدأ المأساة بوعده.. وكل رؤساء أمريكا حتى بايدن يزيدونها.. والعالم يتفرج.. والمنظمات الدولية عاجزة ومكتوفة الأيدي.. كل ذلك يحدث.. وأهالى غزة محاصرون وزاد عدد الشهداء على ٨ آلاف أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء.
الموقف القوى الوحيد الذى اتخذته مصر بإعلانها رفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم حتى لا يتم القضاء على القضية.. وقد أيدتها كل الدول العربية والفصائل الفلسطينية وربما كان الموقف الموحد للأمة منذ سنوات.. والأهم هو استمرار دخول المساعدات لأهلنا فى غزة ومطلوب الضغط بكل قوة لتوصيل المياه والطعام والوقود والدواء وحث الأمم المتحدة وكافة دول العالم على مساندة هذا الطلب الإنساني.. صحيح أن النظام العالمى الحالى أثبت فشله ولابد من تغييره.. ولكن على الأقل لا يجب أن نسمح بإهدار آدمية البشر وإبادتهم إلى أن نصل إلى نظام دولى جديد!!..لا يمكن أن تؤيد أمريكا والغرب إسرائيل وتحميها بكل السبل وتعطيها المال والسلاح والمساندة الدبلوماسية.. ونترك الفلسطينيين وحدهم.
لذلك لابد أن يتفق العرب فى قمتهم على مواقف موحدة.. وأهمها استخدام كافة الوسائل المتاحة لحصول الفلسطينيين على حقوقهم وإقامة دولتهم والتأكيد على حقهم فى مقاومة الاحتلال وأن هذا ليس إرهاباً وإنما دفاع مشروع عن النفس وعن الأرض والوطن.. ووقف كل أشكال التعامل مع حكومة نتنياهو الصهيونية المتطرفة.
القمة و»الطوفان العربي»!!
نريد من القمة العربية الخروج بقرارات قوية مثلما جاءت بيانات الأزهر الأخيرة التى حيا فيها نضال الشعب الفلسطيني.. وأكد أن الاحتلال الإسرائيلى وصمة عار على الإنسانية وأن الدولة العبرية هى أصل كل الشرور والتاريخ لن يرحم المتقاعسين.. وعن التصعيد فى غزة أوضح أنه انتهاك واضح لكل المواثيق والأعراف الإنسانية.. وأن الأزهر يشجع كل أحرار العالم الذين لم يلتزموا الصمت وخرجوا لإدانة المجازر الوحشية وطالبوا بوقف العدوان.. وإنه إذا كانت إسرائيل قد قامت بوعد بلفور فستنتهى بوعد الله.. وأشاد بالموقف الشجاع لأمين عام الأمم المتحدة الذى دعا إلى وقف العدوان على الضعفاء والمستضعفين فى غزة.
وإذا كان قادة أمريكا وأوروبا الغربية قد ابتعدوا عن الموضوعية والعدالة وأيدوا العدوان.. فإن ما يثلج الصدور هو موقف الشعوب والنخب فى تلك الدول وفى العالم.. حيث رأينا عدة دبلوماسيين فى الخارجية الأمريكية يقدمون استقالاتهم احتجاجاً على مذابح غزة.. وآخرون فى برلمانات فرنسا وبريطانيا وايرلندا يطالبون بالعدالة وبمساندة الشعب الفلسطيني.. بخلاف المظاهرات التى تخرج يومياً فى عواصم العالم.. والأهم أن الله سبحانه وتعالى يخرج من بين «المحن» التى يتعرض لها البشر الكثير من الخير ومن «المنح» فالحرب فى غزة وتوابع «طوفان الأقصي» جعل هناك شبه اتفاق دولى على أهمية إقامة الدولة الفلسطينية بما فى ذلك الدبلوماسية الأمريكية والأوروبية والصين وروسيا وكل دول العالم!!
أصبح معلوماً للجميع أن «نتنياهو» هو الذى لا يريد وقف الاعتداء على غزة.. ولا يريد السير فى طريق السلام.. كل ما يريده النجاة بنفسه والبقاء فى الحكم حتى لا يحاكمونه لذلك يريد بأى طريقة الإفراج عن الأسرى لدى حماس دون أن يقدم أى مقابل أو تنازلات ومع ذلك رفض استلام رهينتين إلا بالعافية.. وقد فضحت احداهما كذب دعايته عن معاملة كتائب القسام وأشادت بهم أمام العالم!!
ليس «نتنياهو» فقط الذى لا يريد السلام ولكن معظم الإسرائيليين مثله.. وإذا كان ٢ نوفمبر يحمل لهم ذكرى وعد بلفور.. فإن ٤ نوفمبر يذكرهم برفضهم للسلام حيث قتل أحدهم فى هذا اليوم من عام 1995 «اسحق رابين» رئيس وزرائهم الذى وقع اتفاقية أوسلو مع الزعيم الراحل ياسر عرفات.. وكان قريباً من توقيع اتفاقية سلام أخرى مع الأردن وربما سوريا.. ولكنهم قتلوه واستمروا فى إشعال الحروب!!.
لن تستطيع إسرائيل القضاء على المقاومة الفلسطينية طالما ظل احتلالها للأراضى التى استولت عليها بالقوة وبالاغتصاب والعدوان قائماً.. وعلى الفلسطينيين أن يتوحدوا والعمل معاً يداً بيد.. دون تخوين لأحد.. فالجميع هدفهم واحد هو تحرير الأراضى المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية لذلك يجب تنحية الخلافات جانباً وتغليب مصلحة الشعب.. والتعلم من التجارب ومن التاريخ وتوزيع الأدوار بين الفصائل بعد تجميعها على اختلافها تحت مظلة واحدة بجناحين احدهما دبلوماسى وآخر للمقاومة.. ولا يهم المسميات فجميعهم فلسطينيون يرفرف من فوقهم علم فلسطين ويرتدون «الكوفية» ورفقاء نضال حتى النصر!!.
يعلم «نتنياهو» أن إطالة أمد الحرب ليس فى مصلحة إسرائيل خاصة ان الرأى العام العالمى ينقلب ضدها مع كل جريمة قصف وحشية لغزة بعد أن كان مؤيداً لها على طول الخط.. وهو يخشى الاجتياح البرى الذى ظل يؤجله لأن خسائره فادحة.. وهو فى قرارة نفسه لا يريده ولكن قادة الجيش يصرون عليه ولذلك يحاول أن يستفيد من التهديد به لاستغلاله فى الإفراج عن الأسرى والرهائن بمساعدة الاستخبارات الأمريكية وغيرها لتحديد أماكنهم وتحريرهم ليحقق مكسباً مهماً أمام المواطنين.. كما يهدف من الغزو أو التهديد به أن يكون ورقة سياسية عندما يتعرض لضغط توقف الحرب أو هدنة إنسانية فيظهر أمام العالم أنه أجل الغزو البري.. أما هدفه الأكبر هو إخلاء غزة لاحتلالها والسيطرة عليها وعلى مينائها لأن التقارير الإسرائيلية تؤكد أن هذا سيكون أول خطوة فى طريق بناء القناة التى يريد أن تكون بديلة لقناة السويس.. وهو واهم!!.
فى حرب تقترب من الشهر.. فإن المعارك تدور سجالاً وبين كر وفر بين جيش الاحتلال المدجج بالسلاح ومقاتلى حماس بأسلحة صناعة محلية.. ولا تخشى المقاومة فى غزة من الاجتياح البرى إلا إذا كانت إسرائيل قد استطاعت تحديد أماكن بعض الأسري.. فهذا هو الملف المهم الآن لدى حماس وكتائب القسام فنجاحهم فى الابقاء على أسراهم سيتيح لهم أوراقاً مهمة فى التفاوض للإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين فى سجون الاحتلال.. والخطر الحقيقى يأتى من المستوطنين المتعصبين الذين يقومون بعملياتهم الإرهابية بمساندة جنود الاحتلال.
على «نتنياهو» وقادة إسرائيل العودة للصواب.. وليستمعوا إلى أصوات شعوب العالم التى خرجت فى كل العواصم تطالبهم بوقف العدوان فوراً والسير فى طريق السلام.. فهو طريق النجاة الوحيد وإلا فليحذروا «الطوفان العربي»!!.