رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل

قد يبدو طبيعياً أن يشعر الناس بالحزن ليس هنا فقط بل خارج هنا أيضًا؛ فكل نفس سوية لابد حتماً أن تتألم لما تراه من مشاهد قتل ودم ودمار يرتكبها معدومو الضمير وفاقدو الإنسانية.. ويزداد الحزن ويتعمق إذا تعلق الأمر بقتل الأطفال الذين لا يملكون إلا البراءة، ولا طاقة لهم على دفع الأذى أو احتمال الألم.. يقول الله تعالي:وقتلا «وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت».. فماذا يكون ما نراه من جرائم بحق اطفال أبرياء إلا أنه وأد واغتيال بدم بارد ترتكبه دولة الاحتلال الإسرائيلى على مرأى ومسمع من العالم كله بحق أهلنا المدنيين فى غزة بأسلحة شديدة الفتك والتدمير وربما بأسلحة محرمة دوليًا بدعوى القضاء على المقاومة.. بمنطق الغاية تبرر الوسيلة..!!
فأما الحزن فهو تألم القلب والنفس لأمر مكروه وقع بالفعل.. .وأما الهمَّ فهو انشغال النفس واضطراب القلب لتوقع مكروه يقع فى المستقبل.. وقد نهى الله تعالى صراحة عن الوهن والحزن بقوله تعالي: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» «آل عمران:139»
الحزن يراه البعض شيئًا طبيعيًا إزاء ما يجرى لإخوتنا فى غزة وفلسطين من اعتداءات إسرائيلية بشعة بحق مدنيين عزل؛ حيث لا تتورع تل أبيب فى كل لحظة على مدى أكثر من 28 يومًا من إزهاق أرواح آلاف الشهداء والمصابين والأبرياء وأكثرهم من الأطفال وكأن ذلك مقصود لتصفية الأجيال الجديدة فى غزة حتى تموت القضية وتدفن معهم.
أما تفسير تلك الآية فقد قيل إنها تعزيةٌ لأصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» على ما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد؛ قال تعالي: «ولا تهنوا ولا تحزنوا»، يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذى نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح - عن جهاد عدوكم وحربهم.
أما قول الله تعالى «ولا تحزنوا «، فيعني: ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم « أنتم الأعلون «، يعني: الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى فى النُّصرة عليهم» إن كنتم مؤمنين «، يقول: إن كنتم مصدِّقى نبيى محمد «صلى الله عليه وسلم» فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم.
لا شك أن الشعور بالحزن غريزة إنسانية طبيعة، عاشها الرسل أنفسهم فقد قال الرسول «صلى الله عليه وسلم» حين مات ولده إبراهيم:»وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، وهذا دليل على مدى رحمته وشفقته «صلى الله عليه وسلم»، ويظهر ذلك فى تقبيله وشمه لابنه وقت مرضه، وحزنه وبكائه بعد موته، كما ظهر مدى أدبه «صلى الله عليه وسلم» مع ربه سبحانه، حيث إنه «صلى الله عليه وسلم» لم يقل - مع حزنه الشديد - أى كلمة تدل على جزعه وعدم صبره ورضاه بقضاء الله وقدره، فقال «صلى الله عليه وسلم»: «ولا نقول إلا ما يرضى ربّنا»، فكان صلوات الله وسلامه عليه مثالاً وقدوة عملية فى الصبر والرضا، والأدب مع الله عز وجل.
الحزن إذا كان شعورا عارضًا نتيجة لصدمة أو حادث أليم فهذا يخرج عن إرادة الإنسان ولا يلام عليه، أما إذا استسلم له المرء وجزع منه فهو يؤذى صاحبه أيما إيذاء؛ ومن ثم فقد استعاذ الرسول الكريم من الهمّ والحزن، لقول أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كنت أخدم رسول اللَّه «صلى الله عليه وسلم» كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
وهنا يثور سؤال مهم، وهو: لماذا حرص النبى «صلى الله عليه وسلم» على تعليم أمته أن تتعوذ من الهم والحزن كلما هى أمست وإذا هى أصبحت؛ وذلك لما فيهما من شدة الضرر على بدن المرء وعقله، وقلبه ونفسه، ودنياه ودينه. فهما يشوشان الفكر، ويشغلان القلب، ويثقلان البدن، ويذهبان قواه، ويقعدان عن العمل، ويفوِّتان على العبد الكثير من الخير، ويشغلان الفؤاد والنفس عن الطاعات والواجبات، ويصيبان المرء بالإحباط واليأس والتشاؤم.
أما التشاؤم فليس من الإيمان فى شيء، فإذا تشاءم الإنسان ضاق صدره، ويئست نفسه، وجمد فكره، وفترت همته، وجلس عن الحركة، وقعد فى بيته قعود اليائسين.. وأصبح هلوعا يفزع من كل حادث، ويغضب لأدنى سبب، ويشكو من غير علة، ويمرض من غير داء، ولا يرى شيئا فى الحياة يستحق الحياة، فكأنه يموت قبل أن يأتيه الموت.
وإذا سيطر هذا الشعور على الشخص يعلو السواد ناظره فلا يرى فى الوجود شيئا جميلا؛ ينظر إلى الورود فلا يرى إلا شوكها، وينظر إلى جمال السماء فى الليل فلا يرى إلا ظلامها، ولا يكاد يرى لله عليه نعمة، ولا يكف أبدا عن الشكوي.
أما لماذا يشعر الإنسان بالحزن؛ والجواب: لأسباب عديدة؛ أهمها الآن ما نراه على الشاشات من مشاهد تدمى القلب وتوجع الضمير فى غزة المحاصرة التى تذيقها تل أبيب عقابا جماعياً وقتلا وترويعاً وتجويعًا وتخريبًا يفوق احتمال البشر، ويتجاوز - كما قالت مصر- دائرة الدفاع عن النفس.. وللحزن أسباب مألوفة مثل فقدان شخص عزيز، أو خسارة مال أو وظيفة.. لكن النتائج دائمًا وخيمة على صحة الإنسان؛ ذلك أنه يترك آثارًا سلبية بالجسم، كاضطرابات النوم، وزيادة خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية، أو اكتئاب، وفقًا لما توصلت إليه الدراسات العلمية.
إذا هيمن الحزن على الإنسان أصابه باعتلال فى عضلة القلب، أو ما يسمى «متلازمة القلب المكسور»، وقد يصاب الإنسان بنوبة قلبية من أعراضها ألم الصدر وضيق التنفس وآلام الذراع والتعرق.. ثم يجلب الحزن معه شعورًا بالتعب ويضعف الجهاز المناعي.. وما أدراك ما الجهاز المناعي.!!
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يقوم الجسم بتحرير هرمونات مثل الأدرينالين، وغيره مما يؤدى لارتفاع الضغط و نسبة السكر فى الدم.
والسؤال لكل من تيسرت له أسباب الحياة: كيف تعيشُ مهموماً مغموماً حزيناً كئيباً، وعندك الخبزُ الدافئُ، والماءُ الباردُ، والنومُ الهانئُ، والعافيةُ الوارفةُ، تتفكرُ فى المفقودِ ولا تشكرُ الموجود.
والجواب: دع المقادير تجرى فى أعنتها ولا تَبيتنّ إلا خالى البال؛ أو عش فى الدنيا كعابر سبيل، فأنت وأنا وكل مخلوق فى هذه الحياة الدنيا كمسافر استظل تحت ظل شجرة ثم ذهب وتركها.. فهل نبكى على تركها.. أم نعمل لما بعدها..!!
ينبغى ألا نسمح للحزن مهما تكن ضراوة ما يجرى حولنا أو لنا بأن يسمم حياتنا، بل نعمل ونجتهد فالنفَس «بفتح الفاء» يخرج ولا نعرف إن كان سيعود أم لا.
كما ينبغى أيضًا ألا نسمح بالقلق أن يتسلل إلينا؛ حتى لا يضعف روحنا والمعنوية؛ وهذا ما نبّه له الرئيس السيسى فى مداخلة على هامش فعاليات النسخة الثانية من الملتقى والمعرض الدولى السنوى للصناعة بالقاهرة، بقوله: «لا تقلقوا وواصلوا العمل من أجل البناء والتعمير.. أطمئنكم أن لا أحد يستطيع إيذاء مصر».
الرئيس بعث برسالة طمأنة للشعب بقوله: إن الدولة المصرية قادرة على حماية نفسها، متحدثا عن بذل مصر الجهود لوقف الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، مؤكدًا أن الدولة المصرية بفضل شعبها وجيشها قادرة على حماية مقدراتها تماما؛ ومن ثم يجب طمأنة الناس فى ضوء الوضع الإقليمى بأن مصر ستواصل لعب دور إيجابي.
ولا يبقى إلا أن نؤكد أن الشعب المصرى كله لا يتوانى عن تقديم الدعم لأهلنا فى غزة، فقضية فلسطين هى قضية كل العرب وينبغى الا يتوقف الأمر عند حدود التعاطف مع الأشقاء وشجب ما تفعله آلة القتل الإسرائيلية الإجرامية بل ينبغى أن نتحصن بالوعى فى مواجهة آلة التشكيك والتفريق، وأن نضاعف جرعات الدعم والمساعدات الإغاثية والإنسانية لأهلنا المنكوبين بالاحتلال الغاشم حتى ينالوا حقوقهم فى دولة مستقلة قابلة للحياة.. فهم حائط الصد الأول عن أمتنا ومقدساتنا.. وألا نغفل عن هذا الواجب أبدًا تحت أى ظرف؛ فهذا أوجب واجبات الوقت.. ولن يرحم التاريخ كل من تقاعس عن أداء هذا الواجب.
وأقول أخيرًا.. لماذا لا نحزن.. ونحن نرى مانرى فى عالم مجنون.. لا يرحم فيه الكبير الصغير.. نرى مجلس أمن فى خدمة الكبار بسبب الفيتو الملعون.. نرى ونرى ونري.. فكيف لا نحزن..؟!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة