من الألف إلى الياء
وسط هذه التغيرات المناخية والبشرية والمستجدات المتتالية أصبحت وأمست فكرة الاعتزاز بالهوية الوطنية ودعم الصناعات والمنتجات المحلية ضرورة عصرية، تحتمها طبيعة المتغيرات والأحداث السياسية وتأثيراتها الاقتصادية السلبية المتوقعة.
وأتصور أنه ينبغي أن تكون ثقافة مجتمعية تتكاتف مؤسسات الدولية الرسمية والشعبية في غرسها، وتثبيت مرتكزاتها وتنشئة الأجيال الجديدة عليها فهي السبيل لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة، والتحصن من شرور العولمة والتبادل التجاري اللامتكافيء !.
ومخطئ من يظن أن الأزمات والمحن هي شر محض، رغم تأثيراتها الاقتصادية المؤلمة، لكن أراها فرصة لإعادة ترتيب الأوراق والحسابات علي كافة المستويات الوجدانية، والمادية والمجتمعية، ومراجعة منظومات الواردات والصادرات وأساليب الاستهلاك والانتقاء والتفضيل
التي تترجم في نهاية المطاف لمئات المليارات، إما سلبا أو إيجابا، وإما دعما للموازنة العامة أو ضغوطا مباشرة تتطلب إجراءات اقتصادية فاعلة.
وقد ألقت حرب غزة والتواطؤ الغربي اللامحدود ورفض إطلاق النار ووقف الحرب المستعرة بظلال سلبية على وجدان كافة المجتمعات العربية والإسلامية، بعد سقوط الأقنعة الزائفة لمناصرة حقوق الإنسان وحرية الإرادة وتقرير المصير التي تغنت بها أمريكا وبلدان الغرب زمنا طويلا، واتخذتها ذريعة للتدخل في شؤون الدول العربية، وتنفيذ مخططات الفوضي الخلاقة.
وكما يطالب بعض المفكرين بمراجعة فكرة قبول الآخر والتعايش الإيجابي والحذر من شروره، ومكائده ومؤمراته بمنطق خذ من خليلك ما صفا ودع ما فيه الكدر ،وتتعالي أصوات شعبية بمقاطعة المنتجات الغربية ،ووقف إمدادات الغاز والبترول، وتقليل مستوي التمثيل الدبلوماسي ولو مؤقتا حتي نضع حدا لهذه المهزلة التي تنذر بالدمار الشامل، وتقود المنطقة إلي كوراث لا يعلم مداها ولاعواقبها إلا الخالق عز وجل.
وفي هذا السياق خرجت أيضا أصوات متعقلة تدعو لضرورة مراجعة الاعتماد شبه الكلي علي المنتجات المستوردة، والتخلص من "عقدة الخواجة" ،وتقديم الدعم اللامحدود للمنتجات المحلية.
أتصور أنه قد آن الأوان أن نقول وداعا لتلك العقدة، وأن نتكاتف جميعا لدعم الهوية الوطنية منتجاتنا المحلية الأكثر أماناً وأقل سعرا !!
وتبقي فكرة الجودة والتميز هي الفيصل والتحدي الحقيقي لتحقيق هذه الأمنيات والتطلعات، حتي نفوت الفرصة علي من يبررون الإقبال علي ما كل هو غربي، متعللين برداءة بعض مواصفات المنتجات المحلية!.
وقد كانت وما تزال لدينا قلاع صناعية تنتج سلعا متميزة ومنتجات غذائية عالية الجودة وغيرها، لكنها لم تحظ بالثقة الكاملة والتطوير العصري الذي تفرضه طبيعة وخريطة الاحتياجات العصرية محليا وإقليميا ودوليا.
واعتقد أن النموذج المشهود لهذه المصانع والشركات، شركة قها وبيع المصنوعات والنصر للسيارات وشركات الغزل والنسيج وغيرها.
وفي تقديري أنه يجب استثمار قناعة الناس بهذا الاتجاه، مع إنتشار الحملات الداعمة لهذا الاتجاه علي مواقع التواصل الإجتماعي، بالتزامن مع أحداث غزة، وتداعياتها الموجعة.
ويجب أن تتضافر جميع الجهود لإقرار آليات عملية لتعزيز هذا التوجه، فمصر تمتلك ثروة حقيقية من المواد الخام يمكن توظيفها في معظم الصناعات المحلية، والاستغناء التدريجي عن كل ما هو قادم من الخارج.
وكما يري بعض الخبراء أن هذا يتطلب بالأساس إصلاح منظومة الصناعة بشكل سليم، فالمستهلك فقد ثقته فى المنتج المحلى فى السابق بسبب الجودة المنخفضة، وهذا لن يتغير إلا من خلال الإصلاح الاقتصادى الشامل لقطاع الصناعة، ومراجعة كافة مدخلاته ومخرجاته.
ومن مسلمات الحصافة في هذه الآونة الوعي بمتطلبات المرحلة، والتعاطي مع المشكلات والأزمات بإرادة صلبة، وبحكمة الرؤي والتدابير، وإيجابية التصرفات والممارسات للخروج بحلول مبدعة عبر إجراءات وآليات عملية وفاعلة.
واعتقد أن السبيل الأنجع ،ربما الأوحد لتصحيح المسار، وتجاوز هذه المرحلة الصعبة، وامتصاص تأثيرات الصدمات المتوقعة لحرب غزة وفرملة "التضخم" هو: البحث عن البديل المحلي بشقيه المعنوي والمادي، بعيدا عما يبثه بعض المرجفين من رسائل مغرضة وسلبية عن مستقبل الاقتصاد المصري في محاولات يائسة لتعزيز روح القنوط وكثرة النواح، والتباكي علي ما مضي وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان!.
وبناء علي ذلك يمكن القول أن البديل المعنوي هو القناعة التامة بالقدرة علي مواجهة كافة التحديات وتجاوز كل العثرات، والبحث طوال الوقت عن حلول أصيلة، وأفكار أصيلة وغير مستورده مستقاه من عقول وإبداعات أهل الكنانة، تتواءم مع كافة ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة بيئتنا المصرية.
كما يتحتم أن تترجم مع مرور الوقت ولو جزئيا بإيجاد بدائل مادية وعملية لكل السلع الأساسية والاستراتيجية، والتي شهدت زيادات متضاعفة دون مبرر فعلي، تحصنا من التداعيات السلبية لكافة المتغيرات، وتحقيق الاكتفاء والاستغناء التدريجي عن العملة الصعبة المكبلة!.
ولاريب أن استراتيجية البدائل تتضمن العديد من الإجراءات والأليات، ومن قبل تدشين ملامح لمسارات عامة وخطوط عريضة تحول الأفكار والمقترحات والابتكارات لمشروعات فعلية تسهم في إحداث التغيير، وتحقيق المستهدف.
كما تتضمن تعظيم أدوار المراكز البحثية والعلمية وتحرير العقول المصرية المبدعة في سبيل إيجاد حلول غير تقليدية من خلال ابتكارات وبرامج ومشروعات تسهم في زيادة الإنتاجي الزراعي، وتحسين الممارسات الصناعية.
وأتصور أنه من الضروري الوعي بالتأثيرات السلبية لحرب غزة، والتي يبدو أنها لن تضع أوزارها قريبا مع تعنت الجانب الإسرائيلي والمعسكر الغربي الداعم في وقف هذه المجازر العبثية.
وقد بدت المؤشرات السلبية مع تزايد الاحتقان السياسي، وانسداد الأفق بموجات من الارتفاعات التدريجية في أسعار البترول، والغاز، ومختلف أنواع الطاقة النظيفة، وربما يتبعها موجات أخري وأزمات جديدة في السلع الاستهلاكية والغذائية علي غرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
كما يتوقع المراقبون تأثر سلاسل الإمداد المختلفة نتيجة دخول أطراف جديدة في حلبة الصراع المتصاعد، والتوتر السياسي الموشك علي الانفجار!.
وفي إطار الاستراتيجية الوطنية للتنمية الحقيقية المستدامة، ودعم الهوية الوطنية والإنتاج المحلي والتي تستهدف تحقيق الأمن الغذائي، أتصور أيضا ضرورة المشاركة الفعالة للقطاع الخاص، ورجال الأعمال، ومساندة جهود الدولة ومؤسساتها وجامعاتها ومراكزها البحثية المختلفة من منطلق المسؤولية الاجتماعية والوطنية.
كما يتحتم على الأسواق تطوير أنماط الشراكة مع القطاع الخاص، وتزويد مناخ الإستثمار بأدوات جاذبة، ودعم المبدعين والباحثين وحث المستثمرين الرياديين القادرين على تقديم حلول بديلة ومبدعة، ونماذج عمل مبتكرة تتسم بانخفاض مستوى المخاطر، ومنطقية المكاسب مع النظر للمستقبل والصالح العام بعيون حيادية ومتجردة. فالجميع في قارب واحد وأرض الكنانة تستحق كل تضحية وكل جهد بناء.
ويجب ألا أن ننسي أو نتناسي أن السعي لإضعاف سلطة الدولة الوطنية وتدمير الصناعات والمنتجات المحلية كانت وما تزال هدفا خبيثا وسياسة استعمارية يجيد الغرب حياكتها للإبقاء علي استراتيجية المسافات الحضارية التي تضمن دوام تفوق المتبوع وضعف التابع، وحتي إشعار آخر!.