رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

كنا فى العام 1998حين سمعت لأول مرة تسجيلا لقصيدة «يا تلاميذ غزة» بصوت صاحبها الشاعر الكبير نزار قبانى الذى كان للتو راحلا إلى عالم آخر فى أبريل من نفس العام، بأسى وحسرة كتب الشاعر مخاطبا أبناء غزة، بعد أيام من الانتفاضة الأولى التى اندلعت سنة 1987 «يا تلاميذ غزّة يا تلاميذ غزة علمونا بعض ما عندكم فنحن نسينا»، كان نزار كالقادم إلينا من المستقبل يرسم صورا متتالية لحزن يدمى القلب، لأطفال لا يعرفون للحياة طريق، فهم فقط على قيدها إلى أن يطبق عليهم منزلهم أويأتيهم الصاروخ من حيث لا يدرون، ورغم كل هذا لا يستسلمون، قصيدة نزار قبانى التى كتبها قبل نحو 35 سنة كأنها تشرح لنا ما نراه الآن، تلاميذ بلا مدارس، بلا أى شيء، فى عيونهم صور من ماتوا، يتأملون ما آل إليه وضعهم بنظرات زائغة حائرة،غير قادرة على إدراك ما حدث والعالم كله يسمع ويرى ويبارك الدم!!
من بين ركام البيوت المهدمة، سأل المذيع طفلا فلسطينيا فى غزة: «ماذا بدك تطلع لما تكبر؟» أجاب الطفل بلا تردد ثانية واحدة: «نحنا فى فلسطين ما بنكبر.. نحنا بنموت»، وحتى تحول القناة التليفزيونية المشهد إلى دراما تجذب مشاهدات تمت إعادة جملة الطفل مع موسيقى حزينة «نحنا بنموت.. نحنا بنموت»، و فى الأخير لا أحد يفعل شيئا!!
قرأت كثيرا عن ميلاد ومقتل الحلم، لكن لم أجد تفسيرا أبلغ لهما من إجابة هذا الطفل الفلسطينى «الكبير»، الذى عبر عن حال أطفال غزة، الذين باتوا ينتظرون الموت بالدور، ولا يبالون، ومن يهب له القدر حياة، فهى بلا طعم، يكبر محملا بمرارة ورغبة فى الانتقام، أوصدمات نفسية لن ينجو من آثارها.
السؤال الذى يطرح نفسه: أليس أطفال غزة كبقية أطفال العالم؟!، ألم يكن من الإنصاف إنقاذهم من قبل المجتمع الدولى ومؤسساته التى تحاضرنا ليل نهار عن الإنسانية وحقوق الإنسان والحق فى الحياة؟!
لقد استطاع الإعلام الغربى المضلل فى بداية الحرب على غزة أن يجمع تعاطفا مع إسرائيل ويظهرها على أنها الضحية، ومن ثم توافد قادة العالم «المتحضر» لتقديم الدعم والمساندة وإبداء التعاطف وسوق المبررات لإسرائيل لتقصف المستشفيات والمدارس والمنازل والمساجد والكنائس، وتطبق الحصارعلى غزة وأهلها، جاء الرئيس الأمريكى بايدن إلى إسرائيل ليقول نصا: «نحن معكم مهما كان وفى أى وقت»، كما جاء عدد كبير من قادة دول أوروبية كبرى أيضا إلى إسرائيل وتجولوا فى المنطقة، لم يشغلهم الدمار الذى أحدثته إسرائيل بغزة قدر ما شغلهم أن لا تشعر إسرائيل بالوحدة، غضوا الطرف عن ويلات الحرب فى إحدى أسوأ لحظات العصر الحديث، بل وتخطى الأمر حدود التعاطف إلى تقديم الدعم بالمال والسلاح.
مع الوقت تكشف تدريجيا هذا الانحياز الفج من قبل بعض الإعلام الأمريكى والأوربى لإسراييل وبدأت الصورة تنقل الواقع من على الأرض لأطفال غزة ومآسيهم، فلاحظنا تغير النبرة قليلا من قبل نفس القادة لاسيما هؤلاء أصحاب العضوية الدائمة فى مجلس الأمن، فأبدت نوعا من التعاطف مع أهالى غزة وأوضاعهم الإنسانية المتردية، وعملت على إدخال المساعدات لهم عبر معبر رفح، لكن ظل هذا الدعم مقرونا بمعضلة «لكن»، حيث يتحدث هؤلاء القادة عن ضرورة إدخال المساعدات لأهالى غزة ومراعاة ظروفهم الإنسانية، بيد أنهم يتبعون تصريحاتهم هذه بكلمة «لكن» وكما نعلم فما بعد لكن يقتل ما قبلها فيقولون: «لكن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها!!، وطبعا يدخل فى نطاق دفاع إسرائيل عن نفسها عدم وقف إطلاق النار وقتل المزيد من المدنيين والأطفال والنساء ومزيد من الإطباق على الأبرياء فى غزة حتى لا يكون أمامهم سوى الموت أو الموت، وتعرض الشاشات صورا لأطفال غزة بعيون شاخصة وقد روعتهم الصدمة من هول ما شاهدوه من قتل ودمار.
قال لى صديقى الطبيب النفسى إن هؤلاء الأطفال سيحتاجون لعلاج نفسى طيلة حياتهم أو بالأحرى طيلة ما تبقى لهم على قيد حياتهم وهى حتما قصيرة بحسب ظروفهم، فقد خلفت الحرب تأثيراً نفسيا سيبقى معهم كالشبح فى أفلام الرعب، لن يعرفوا معه غير أحاسيس الخوف، والسلوك العدواني، فبحسب منظمة الصحة العالمية خلفت الحرب الأخيرة فى غزة وحدها قرابة الـ 120 ألف شخص يعانون أمراضاً نفسية، والرقم مرشحً للزيادة مع استمرار القصف والمعاناة.
ضمير العالم يغط فى سٌبات عميق وأطفال غزة يتحملون وحدهم وطأة الصراع المتصاعد حاليا، لا يوجد أى مكان آمن لهم فى وطنهم المغتصب.
فى الختام أذكر ببعض مما قاله نزار قبانى فى القصيدة:
يا تلاميذ غزةٍ.. لا تبالوا إذاعاتنا ولا تسمعونا.. قد صغرنا أمامكم ألف قرنٍ.. وكبرتم خلال شهر قرونا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة