رسالة من القلب
شهدت الساعات الأخيرة اتصالات مكثفة أجراها الرئيس عبدالفتاح السيسى لاحتواء الموقف الراهن فى فلسطين، بهدف- بالدرجة الأولي- حماية الفلسطينيين من الاعتداءات الإسرائيلية ووقف نزيف الدماء والحيلولة دون تدهور الأوضاع الإنسانية للشعب الفلسطيني.. وهذا ليس بجديد على الدولة المصرية قيادة وحكومة وشعباً فى جميع مراحل الصراع العربي- الإسرائيلى الممتد منذ تأسيس اسرائيل عام 48 إلى اليوم.
مصر التى شاركت فى جميع الحروب التى تتعلق بالقضية وروت أرض سيناء بدماء أبنائها تعمل دائماً بما يخدم القضية العربية الأولي.. مؤكدة حقوق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفى حدود ٤ يونيو 67، وأنه لا استقرار فى المنطقة إلا بحل الدولتين.. والحقيقة فجرت عملية «طوفان الأقصي» الأخيرة الوضع وكشفت الكثير من الأوراق التى سببها التعنت الإسرائيلى أمام عملية السلام، وأنه لا حل إلا بالتفاوض والالتزام بالحلول، ومحاولات ومؤامرات توطين الفلسطينيين فى سيناء هذا مشروع قديم- جديد يظهر ابان كل أزمة فى اسرائيل مع الفلسطينيين، وهذه ليست أول مرة يتم الحديث فيها.. فقد طرح كمشروع ايجال الونى بعد النكسة ورُفض تماماً، وكانت اسرائيل تحتل سيناء وفشلت فى خطتها رغم احتلالها الأرض، كما أن نتنياهو عندما تولى الوزارة فى أول حكومة له كان هذا المشروع أحد أهم سياساته ورفضه مبارك، وكان المعروض أن يتم مقابل 12 مليار دولار.. ولكن فى عهد المعزول محمد مرسى طرح المشروع من جديد «ايجورا بلند» وتشير تقارير عديدة إلى موافقة المعزول على المشروع عبر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، وكشف الرئيس محمود عباس «أبومازن» ما عرضه عليه المعزول عام 2013، وقال له كلمته المشهورة «دولة فلسطين، على أرض فلسطين» وأنه يرفض مبدأ التوطين خارج فلسطين بتاتاً.. وفى هذه الأثناء أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى كوزير للدفاع وقائد عام وقتها القرار «203» الذى يحظر التملك أو حق الانتفاع أو الإيجار أو أى نوع من التصرفات على الأرض لمسافة ٥ كيلو مترات فى عمق سيناء، باعتبار هذه المناطق استراتيجية ومهمة للأمن القومى المصرى وفى صميم السيادة.. والمشروع برمته فكرة خطيرة لتصفية القضية الفلسطينية «وطن بديل» وإنهاء ارتباط المواطن الفلسطينى بالأقصى وغزة وتفريغ الأرض المحتلة نفسها من الفلسطينيين، وكذلك خروج بلا عودة لأبناء عرب 48 فى الداخل الاسرائيلي.. هذا المشروع «الخبيث» هو القضاء تماماً على القضية وتصفيتها تماماً.
مع ثورة 30 يونيو التى أفشلت المخطط الاسرائيلي- الأمريكى وأطراف أخرى نجحت مصر بقيادة الرئيس السيسى فى بناء خطة استراتيجية مهمة وهى تنمية سيناء وتعميرها وواجهت مخطط خريطة «الدويلات» على أرض سيناء.. وتم دخول كل المناطق لتطهير سيناء وإعادة إعمارها، فى الوقت الذى أكدت مصر احترامها لمعاهدة السلام المبرمة مع اسرائيل.
وفى هذا الإطار نجحت مصر- السيسى فى بناء قوة عسكرية لحماية التنمية والتعمير فى سيناء وحدودها على البحرين الأبيض والمتوسط.. وكان شراء حاملات الطائرات «أدميرال» جزء من الاستراتيجية المصرية، وإيمان مصر بأن حماية سيناء بتعميرها بالسواعد المصرية وأن المليارات التى تصرف على سيناء فى عيون كل المصريين، وأن ما رفضته مصر فى 67 وسيناء محتلة ورفضه السادات فى مباحثات السلام مع اسرائيل وأيضا ما تم رفضه أثناء اجتياح بيروت عام 1982، لا يمكن الموافقة عليه الآن، لأنه كما أكد الرئيس السيسى «لا تفريط ولا تهاون» فى أمن مصر القومى تحت أى ظرف، عندما قال: إن التصعيد الحالى خطير للغاية وله تداعيات تطول أمن واستقرار المنطقة.
إن مصر قيادة وحكومة وشعباً، يدركون تماماً تعقيدات الموقف الراهن وما يحاك للمنطقة والقضية الفلسطينية.. وكانت رسالة الرئيس فى قوله: مصر لا تتخلى عن التزاماتها بالقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولن تسمح بتصفيتها على حساب أطراف أخري.
هذا الكلام من قائد أكبر دولة عربية، يعنى الكثير.. فهو رسالة لكل من يهمه الأمر فى العالم ورسالة إلى من يتخيلون تصفية القضية.
مصر هى أول داعم للشعب الفلسطينى وأول من يمد العون له ويحافظ على ترابه فى أرضه المحتلة، فى نفس الوقت عدم المساس بذرة رمل فى أرض سيناء التى رواها بدماء جنوده الذكية وطهرها من الارهاب الأسود.. وهنا أنقل عن المفكر جمال حمدان صاحب ملحمة «شخصية مصر» قوله: إن كل وحدة تنموية هى بناء وتعمير ولها بُعدها الاقتصادي.. وفى حقيقة الأمر مسألة أمن قومي.
ما يحدث اليوم من تحرك كبرى حاملات للطائرات إلى منطقة المتوسط، ليس حلاً.. الحل، هو إيقاف نزيف الدماء وتوصيل المساعدات الإنسانية للمدنيين، والعودة لحوار شامل، لسلام عادل كما قررته الأممية الدولية منذ قرار مجلس الأمن الشهير «242» وجميع القرارات الدولية والمبادرة العربية والرباعية الدولية لإيجاد حل يضمن استقرار المنطقة.. وتتأكد الأطراف المختلفة أن الحروب لن تصنع سلاماً أو استقراراً فى أطول صراع فى التاريخ حتى الآن.. وقد آن للعالم أن يتحرك لوقف الاستيطان والمساعدة فى جلوس كل الأطراف على مائدة تفاوض بدلاً من طرح حلول لا معنى لها.. فحق الفلسطينى فى أرضه مشروع ودفاعه عنها مشروع.. أما تصفية القضية، فهذه المؤامرة الكبرى التى منها تنجح اسرائيل فى اقامة دولتهم من النهر إلى البحر من نهر الأردن إلى البحر المتوسط.
أعتقد على العالم أن يركن لإيقاف نزيف الدم فى العمليات العسكرية الحالية.. وأمام السلام فرص أمام التوتر الحالى غير المسبوق فى أحداث غزة، وأن الفلسطينيين- من وجهة نظري- لن يقبلوا إلا بأرضهم التاريخية التى من خلالها يبحثون عن السلام بدلاً من تصفية قضية عاشوا خلالها 75 عاماً على أمل إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن المهم فتح المعابر ومرور المساعدات الإنسانية، بدلاً من القتل مع سبق الإصرار والترصد للشعب الفلسطينى فى غزة بمنع المياه والوقود والدواء والغذاء.. أين لجان حقوق الانسان «المزعومة» أمام هذه الأحداث؟!.. إن ما نشر فى ٢ يونيو الماضى بجريدة «يدعوت أحرنوت» يؤكد أن المخطط الاسرائيلى مستمر فى تصفية القضية، وأمريكا ليست بعيدة عن هذا الأمر.. وكلنا تابع تصريحات الرئيس الأمريكى التى تعكس حماية المعتدى ودون النظر للأعزل الفلسطينى المسلوبة حقوقه.
وهنا أعود لما أكد عليه شيخ الأزهر فضيلة الإمام د.أحمد الطيب شيخ الأزهر فى بيان الأزهر حول الأحداث، وهى رسالة لكل أبناء فلسطين أن أرضهم فلسطين، والذى حيا صمود أبناء فلسطين وتشبثهم بأرضهم الغالية.
إن مصر لن تتوقف عن مد يد العون للأشقاء فى فلسطين، ولن تتخلى عن ثوابتها بحل القضية.. وهذا ما حمله الرئيس السيسى منذ توليه السلطة ونادى به من أعلى منبر فى العالم «الأمم المتحدة» فى زياراته المتتالية لاجتماعاتها السنوية.. وبالتأكيد لا استقرار فى منطقة الشرق الأوسط، إلا بإيجاد حل عادل للقضية، وأن تخرج دول العالم عن صمتها تجاه الأوضاع الراهنة.. والتأكيد على أن أرض الفلسطينيين التاريخية هى محور النقاش، وأى أطروحات غير ذلك هراء وحرث فى ماء.