"بالبنط العريض"
فى سياق حديثنا الموصول عن الاحتفال بنصف قرن على انتصار أكتوبر، نكمل هنا فى ذات الشأن الذى خصصنا الكتابة فيه وهو حالة الفصام لدى بعض الإعلام الإسرائيلى تجاه هذه الحرب، فبينما نحتفل فى مصر والأمة العربية بأعظم انتصار عسكرى فى التاريخ الحديث، لا تندهش حين تجد بعض الصحف الإسرائيلية هى الأخرى تحتفل!! نعم تحتفل، ومن فضلك إمنع الضحك حتى أكمل لك، تحتفل مستخدمة نفس العنوان (مرور نصف قرن على انتصارات أكتوبر 1973)؛ لكنها استبدلت (حرب أكتوبر1973) بـ «حرب يوم الغفران»!!، ضع ما شئت من علامات تعجب واستفهام ، فواحدة من كبريات صحف إسرائيل هى «يدعوت أحرنوت» نشرت فى يوم واحد خلال الأسبوع الماضى موضوعين الأول بعنوان (رغم الفشل الافتتاحى انتهت حرب يوم الغفران بانتصار عسكرى إسرائيلى ساحق!!)، كتبه الصحفى الإسرائيلى المخضرم رون بن يشاى وهو صحفى ومعلق ومحاضر إسرائيلى بلغ الثمانين من عمره لكنه مازال يكذب!! فلا نعرف عن أى انتصار ساحق يتحدث؟!، رون بن يشاى خدم فى لواء المظليين وعمل مراسلا حربيا، وفى ديسمبر 1969 انضم إلى التليفزيون الإسرائيلي، وفى يونيو 1970 أصيب فى غارة لجيش الاحتلال الإسرائيلى فى مرتفعات الجولان، وقام بتغطية حرب السادس من أكتوبر 1973 وفى 22 أكتوبر رافق كتيبة إسرائيلية بالقرب من الإسماعيلية، تعرضت لقصف عنيف من جانب الجيش المصري، بن يشاى فى مقاله لم يخجل من صياغة جمل خيالية ليرضى هوسه بأكذوبة أن إسرائيل لم تهزم فى الحرب، فقال نصا: «من المهم أن نتذكر أن حرب يوم الغفران بدأت كفشل ذريع وانتهت بانتصار عسكرى مدو وإنجازات دبلوماسية واستراتيجية وجودية»!!
أما المقال الثانى فكان لـ مايكل ميلستين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية فى مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا فى جامعة تل أبيب والذى شغل سابقاً منصب رئيس الساحة الفلسطينية فى شعبة المخابرات فى جيش الاحتلال، وكتب يقول إن موقف العالم العربى من حرب يوم الغفران يجسد صورة معاكسة للطريقة التى تتذكر بها إسرائيل الحدث وتحيى ذكراه، ورغم اعتراه بأن الحرب ترسخت فى الوعى الإسرائيلى كصدمة وطنية، صاحبتها مشاعر الحزن وجلد الذات بسبب الغطرسة والتشبث بالوضع الراهن، لكنه عاد ليكابر ويغالط ويقول إن هذه الحرب أيضا يُنظر إليها على أنها نصر عسكرى تاريخى لإسرائيل كان بمثابة نقطة تحول فى الصراع بين العرب وإسرائيل!! ، ويكمل ملستين حديثه «الفارغ» متعجبا: العرب الذين تلقوا ضربات موجعة فى نهاية الحرب يعتبرونها انتصارا!! ، والحقيقة أننا لا نعرف عن أى حرب يتحدث ميلستين ؟!، فنتيجة الحرب أن الفائز وهو «مصر» فرض إرادته على المهزوم وهى «اسرئيل» وتم استرداد الأرض المحتلة من عام 1967 وتماديا فى الخيالات يتعجب ميلستين من احتفال المصريين بالنصر ويقول هناك احتفاء موسع بالحدث بداية من الكتب المدرسية فى مصر مرورا بتشييد المعالم الأثرية فى المدن، مثل مقبرة الجندى المجهول وبانوراما أكتوبر؛ وصولا لإنتاج الأفلام ونشر العديد من الكتب المخصصة للحرب، ويصف ذلك بأنه مسألة ذاكرة جماعية انتقائية!!
الحقيقة التى يرد بها على ميلستين أو بن يشاى وأمثالهما سنقدمها بشهادات من كتب إسرائيلية، وسنبدأ بفكرة الانتقائية التى زعم ميلستين أن مصر تعاملت بها مع الحدث واعتبرته نصرا!!، وبغض النظر عن كونه نصرا مصريا واضحا للعميان قبل المبصرين، نسرد له جزءا من كتاب «حارب دون تنسيق» للمؤلف الإسرائيلى أورى بار يوسف أستاذ فخرى للعلاقات الدولية بجامعة حيفا، والذى صدر فى أغسطس 2021 وهو أول الأعمال البحثية الإسرائيلية، التى تصف وتحلل طريقة عمل سلاح الجو الإسرائيلى فى الحرب، حيث اعترف الكاتب بأن الروايات فى الداخل الإسرائيلى عما حدث فى الحرب كانت ضد الحقيقة التاريخية، فالواقع عند فحص الأرشيف مختلف وهناك عدة أسباب لذلك، أولها أن الذاكرة الإسرائيلية آلة رائعة لخلق قصص بعينها «ممتعة» للإسرائيليين بغض النظر عن صحتها من عدمه، وهذه هى الانتقائية، ويؤكد قائلا: كنا مقتنعين حقًا بأن الأشياء كانت كما نتذكرها أوكما نحب أن نتذكرها، بار يوسف فى كتابه ركز على خيبة الأمل فى أداء سلاح الجو الإسرائيلى خلال الحرب وقال إن ما كان يُعرف حينئذ بـذراع إسرائيل الطولي، أخفق إخفاقا يشبه الفضيحة ستظل كالثقب الأسود فى تاريخه.
يبدو أن الصدمة التى تلقتها إسرائيل أثرت على كل شيء فيها ليس فقط على جيشها الذى كسرت أنفه وتم أسر جنوده وإلباسهم بيجامات «كستور المحلة» ولكن أيضا على شعبها ومؤسساتها وإعلامها، لدرجة أنه حتى فكرة تقبل الهزيمة المنكرة التى حدثت على الأرض أمام العالم، حين عبر المصريون القناة وحطموا خط بارليف واستردوا سيناء ، كل هذا لم تقو إسرائيل على تصديقه وفضلت أن تعايش الكذبة وتمررها عبر الإعلام على مدار نصف قرن.