رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رسالة من القلب

أمس الجمعة مر 50 عاما على حرب أكتوبر.. هذه الحرب التى عشتها واعى أيامها جيداً.. ربما تخوننى الذاكرة حول حرب ٥ يونيو »النكسة«.. ولا يبقى داخلى إلا يوم تنحى الرئيس جمال عبدالناصر وخروج أهل قريتى فى اليوم التالى لمسيرة التأييد فى ٩ و10 يونيو التى تعكس ان شعب مصر العظيم لا يقبل الهزيمة والانكسار وإيمانه بأن جيش مصر من أفضل جيوش العالم »خير أجناد الأرض«.. فى السادس من أكتوبر قبل 50 عاما شاءت الأقدار أن أكون فى القاهرة وفى عيادة عبقرى طب العيون د. عبداللطيف صيام.. وجاء البيان الأول ولا أعرف كيف رجعت إلى قريتى فى المنوفية لأشارك فى طلائع أكتوبر.. الساعات القليلة التى قضيتها فى الطريق كان رفيقى راديو صغير استمع فيه لنشرات الأخبار.
وفى المساء قد انكشف كل شىء وتمت إزاحة الغمة وعبر الجنود الأبطال أكبر مانع مائى إلى شط القناة ورفعوا علم مصر.. وتولت الأخبار وعلت الابتسامات على شفاه أهلنا الفلاحين فى قرى لم تنم كل المنازل »سهرانة« فمن ليس له ابن فى الجيش له قريب أو ابن أخ أو أخت.. كان قرار الحرب عبقريا فى توقيته وإعلامه.. ولم يكن الجندى المصرى وحده فى المعركة كان وراءه شعب مصر كله.. لا صوت يعلو على صوت المعركة الشعار الذى رفع بعد نكسة يونيو واستمر طوال حرب الاستنزاف التى كانت تلقن كل يوم اسرائيل دروسا مهمة خاصة درس رأس العش وجزيرة شدوان والمدمرة ايلات وحائط الصواريخ الذى أنهى التفوق الجوى الاسرائيلى.
التاريخ برغم مرور 50 عاما لم يكشف الأسرار الدقيقة لانتصار مصر فى هذه الحرب التى ردت الاعتبار والقوة والكرامة للجندى المصرى الذى ثأر لنفسه ولأمته العربية من هزيمة يونيو.. الجيش الباسل قهر غرور العدو بالإيمان والتخطيط السليم فى معركة بناء الجيش المصرى وقرار الحرب الشجاع فى ملحمة لا مثيل لها فى تاريخ الحروب البرية والجوية والبحرية والخداع الاستراتيجى الرقم الصعب فى معركة العزة والكرامة والتى أكدت لقادة اسرائيل ان أمنهم لا يمكن أن يتحقق بمجرد الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية.. وهى المعركة التى جعلت جولدامائير رئيسة وزراء اسرائيل تبكى فجرا لوزير خارجية أمريكا كيسينجر والتى اعتبرتها كابوسًا عاشته بنفسها وظل باقيا معها وعلى أثر الهزيمة خرجت من الوزارة.. وفى كتاب لـ ٧ من قادة اسرائيل »التقصير« اعترفوا بقدرة وذكاء الجندى المصرى وان ما حدث فى ٥ يونيو لا يمكن الحكم على الجيش المصرى من خلاله.. من جيلى الذين زاروا معرض الغنائم بأرض المعارض »الأوبرا« الآن يلمسون كيف ساندت أمريكا اسرائيل بآليات عسكرية حديثة كانت للتو قد وصلت جوا إلى مطار العريش ومن قرأ عنه وماذا فعل أبطال قواتنا المسلحة بفروعها المختلفة وعلى لسان قادتها التى تؤكد ان عملية السبت »الحزين« فى اسرائيل أو يوم الغفران أو حرب كيبور.. كما يطلق عليه اسرائيل حيث ان السنة العبرية تبدأ فى شهر ابريل ويطلق عليها »روش هاشناه« التى ترمز إلى خروج اليهود من مصر والاحتفال برأسها يكون فى شهر أكتوبر »تشريه« ويستمر قرابة 10 أيام بين الصوم والصلاة حتى يوم »كيبور«.
ومن هنا نقف طويلا عند تنسيق القيادتين المصرية بقيادة أنور السادات والسورية بقيادة حافظ الأسد فى عبقرية تاريخ الحرب »يوم كيبور« التى حقق فيها الجندى المصرى والعربى النتيجة التى أزعجت اسرائيل إلى اليوم وغيرت من الفكر الصهيونى ان العسكرية لا تحقق أمنا وان الجندى المصرى والعربى نجح فى هدم اسطورة دايان وزير دفاع اسرائيل التى روج لها الاعلام الغربى سنوات يزعم انه لا يقهر.. وقد قهره جيش مصر فى ست ساعات ورفعت رايات النصر على أرض الفيروز.. ولعل ما قاله رئيس الموساد ابان الحرب »عاموس يادلين« ان اسلوب المصريين - على حد قوله - أظهر ضعف المخابرات الإسرائيلية وان الخداع الاستراتيجى المصرى وعنصر المفاجأة أفشل خططهم بالتنبؤ بقدرة المصريين على العبور والقتال.. ويقول الجنرال الاستخباراتى الاسرائيلى ايلى زاعير رئيس هيئة الاستخبارات الاسرائيلية العسكرية ان المصريين حققوا الانتصار بسبب عقليتنا الخاطئة التى كان يتمسك بها قادة اسرائيل متفقا مع رئيس المخابرات العسكرية عاموس يادلين ان عنصر المفاجأة سبب الهزيمة التى وصفها بـ »الساحقة«.. والحقيقة ان انتصار أكتوبر العظيم لنا كمصريين وعرب لا يمكن اختزاله فى فشل استخباراتى اسرائيلى فقط لكن فشلهم فى تقدير كفاءة الجندى المصرى بكل تشكيلاته العسكرية المصرية والعزيمة التى يتمتع بها والروح المعنوية التى يحملها والوعى الكبير الذى لديه بقيمة قضيته الوطنية تحرير الأرض المحتلة.
فقد كان الجندى المصرى يعلم تماما منذ إعادة بناء القوات المسلحة حجم الساتر الترابى والنقاط الحصينة التى أقامتها اسرائيل وانه أمام مهمة ليست سهلة لكن العزيمة والإيمان والروح المعنوية العالية وراء قصص البطولات التى تحققت فى 73 وما قبلها فى حرب الاستنزاف.. ومن يقرأ تقارير المسئولين فى المعركة من أبنائنا المصريين حول مناطق مثل الفردان والقنطرة والكاف والتبة والدفرسوار وشمال الشلوفة وتأكد ان كل شىء تمت دراسته فى حرب التحرير الكبرى السادس من أكتوبر.
وهنا لا يفوتنى الاشارة سريعا عن عيون مصر الساهرة أبناء سيناء الحبيبة الذين كانوا رادارات لجيشنا البطل الذين قدموا دورا وطنيا مهما حتى تحققت ملحمة الانتصار فى ٦ أكتوبر الذين كانوا يتحركون فى سيناء فى الوديان فى مناطق دير سانت كاترين ووادى فيران وغيرها وكانت حركتهم خلف خطوط العدو محسوبة وكشفوا لقيادات الجيش حقيقة السد المنيع أو الساتر الترابى »بارليف«.. ولا ينسى أبناء جيلى العملية العسكرية المصرية الناجحة أيام حرب الاستنزاف باغتيال القائد العسكرى الإسرائيلى ليفى اشكول وهذا يعكس ان الطريق إلى ٦ أكتوبر مفروشاً بالورد بل ان دماء أبناء الوطن خصبت رمال أرض الفيروز وكان للمرأة السيناوية دور وطنى مميز خاصة فى عمق سيناء أو فى عيون موسى على الشط الآخر للقناة وكذلك المقيمين فى طور سيناء وقرى مثل الجبيل والذين يعملون فى صيد الأسماك أو رعاية الأغنام.
وهنا برغم ما قبل عن حرب أكتوبر يجب أن نعيد طبع الكتب التى أصدرها المراسلون العسكريون ابان الحرب وتوزيعها على المدارس اليوم دولة بها 100 مليون نسمة يعيشون داخل مصر من عاش أيام أكتوبر منهم وكان يعيشها لا يزيد على 15 مليونا.. يجب أن يكون احتفالات أكتوبر عبارة عن ندوات فى الجامعات المصرية وقصور الثقافة وندوات الهيئة العامة للاستعلامات ليعرف الشباب المصرى الذين يشكلون ٦٦٪ من الشعب وكانوا أيام أكتوبر لا يتعدوا 15 عاما حقيقة ما دار.
ان حرب أكتوبر ستظل خالدة تحكى للعالم حقيقة التفوق العسكرى المصرى وكلى أملى ونحن ننطلق إلى جمهورية جديدة أن تعقد مؤتمرات وندوات فكرية تقدم أبحاثًا تعكس عبقرية الجندى المصرى وعبقرية الإنسان المصرى الذى ارتبط منذ فجر التاريخ بعقيدة حب الجيش والدفاع عن جبهته الداخلية فقد كانت الجبهة الداخلية أيام حرب أكتوبر نموذجا آخر وظهير خلفيا للفداء والتضحية فى اشكال كثيرة تحتاج أكثر من مقال لتوضيحها وكل نصر أكتوبر ومصر بخير.. وروح أكتوبر ستظل تعيش بين أبناء شعبنا العظيم.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة