رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

فى كتابه «البحث عن الذات» وصف الرئيس الراحل أنور السادات الفترة بعد ٧٦٩١ وحتى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر بأنها فترة الكفاح من أجل بقاء الشعب واسترداد كرامته وكيانه.. مشيراً إلى أنها بدأت بعد أيام قليلة من ٥ يونيو فى معركة رأس العش فى الأول من يوليو ٧٦ وبعدها إغراق المدمرة إيلات فى ١٢ أكتوبر من نفس العام.. مما أعاد الثقة فى المقاتل المصرى وفى قواتنا المسلحة حيث بدأ بناء الجيش على أسس علمية استعداداً لحرب تحرير الأرض المحتلة.
بعد مرور نصف قرن على نصر أكتوبر.. لا يمكن للأجيال الجديدة أن تتخيل مدى المعاناة التى عاشها أبناء الوطن من مدنيين وعسكريين خلال السنوات الست التى أعقبت أحداث ٧٦ وحتى يوم السادس من أكتوبر.. فقد توقف كل شيء فى الدولة ولم يعد هناك من صوت يعلو على صوت المعركة المنتظرة.. فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.. تحمل الشعب تأجيل خطط التنمية وتعطل بناء المدارس والمستشفيات.. وأعطيت الأولوية لشراء الأسلحة والطائرات وبناء حائط الصواريخ.. أما أبناء القوات المسلحة فلم يعرفوا النوم ولا الراحة وكانوا يتدربون بالليل والنهار والتحق الجنود المؤهلات بالتجنيد.. والتحم القادة والضباط معهم يعيشون فى الخنادق على ضفاف القناة.. يقومون بعمليات استنزاف للعدو.. ويطورون الأسلحة الدفاعية الحقيقية التى يحصلون عليها من الاتحاد السوفيتى ويجعلونها قادرة على التفوق على مثيلاتها الأمريكية والغربية المتطورة.
كان أبناء الشعب والجيش لا هم لهم سوى الاستعداد للمعركة.. ولا يستسلمون لليأس والإحباط بسبب الهزيمة.. ولا يقلل من عزيمتهم ما كان يبثه العدو من شائعات ومن تهويل لقدراته وأنه «جيش لا يقهر» ويمتلك الذراع الطويلة التى تصل لكل مكان.. والويل لمن يقترب من «بارليف» أقوى خط دفاعى عرفته العسكرية وتحصيناته لا يمكن تحطيمها!!
٦ سنوات و٤ شهور كاملة قضاها المصريون فى صبر وعمل.. لم يفقدوا يوماً إيمانهم بالله ولا بقدرة جنودهم على استعادة الأرض والكرامة.. كان الجميع يتعجلون الهجوم على الأعداء.. الشباب بحماسهم يقومون بمظاهرات فى الجامعات تستعجل القيادة السياسية بالحرب.. والجنود على الجبهة لا يطيقون رؤية الأعداء يعبثون بأرضنا.. ربما لأول مرة فى العالم.. يتفق أبناء الشعب والجيش على حتمية خوض الحرب ويطالبون بالإسراع بها.. ولكن الرئيس السادات وقيادات القوات المسلحة كانوا يخططون فى صمت يتابعون التدريب ويجهزون مسرح العمليات ويخدعون العدو ويوفرون احتياجات الجبهة الداخلية.. ومعدات القتال والأسلحة والطائرات والدبابات.. ويختارون التوقيت المناسب لضمان عدم تكرار ما حدث فى يونيو ٧٦ ولتحقيق النصر المبين بإذن الله.
جاء اليوم الموعود.. وحانت الساعة.. لم يتخيل العدو ولا أى أحد فى العالم أن جيشنا سيعود ويهاجم فى «عز الظهر» ويحطم ما قيل إنه أقوى وأحصن خط دفاعى فى العالم بعد عبور مانع بحرى بطول ٠٧١كم وبعده الساتر الترابى المرتفع ٥٢ متراً.. إنها معجزة وملحمة لا يفعلها إلا من قال عنهم رسول الله «إنهم خير أجناد الأرض»!!
بعد النصر بعام وفى أكتوبر ٤٧٩١ نظمت القوات المسلحة ندوة عالمية عن الحرب والدروس المستفادة منها وكانت الجلسات تعقد بجامعة القاهرة وتمت دعوة العديد من القادة العسكريين وخبراء استراتيجيين من دول العالم.. وتمت الاستعانة ببعض الطلاب خاصة أعضاء فريق جوالة الجامعة لتوزيع الدعوات وتنظيم الدخول وجلوس المشاركين فى أماكنهم.. وكنت من هؤلاء الطلاب مما أتاح لى شرف حضور عدة جلسات والحصول على أبحاث وتقارير ومقابلة الخبراء والاستماع منهم بأن ما حدث من الجيش المصرى إعجاز بكل المقاييس وأنه غيَّر الكثير من المفاهيم والثوابت فى العلوم العسكرية وأنه بعد مرور عام واحد تمت دراسته فى كل الكليات والمعاهد العسكرية الدولية.
شهد العالم كله بأن المصريين انتصروا فى حرب أكتوبر ٣٧ وكان الأعداء أول من اعترفوا بذلك ومن يرد التأكد فليعد إلى مذكرات قادتهم فى الحرب ابتداء من جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وقتها وموشى ديان وزير الدفاع وأهارون باريف مدير المخابرات.. وإلى ما تسرب من تقرير لجنة «أجرانات» الذى لم يجرؤ على نشره إلى اليوم رغم مرور ٠٥ عاماً على هزيمتهم باعترافهم.. فماذا يريد المشككون بعد أن شهد أكثر من شاهد من أهلها؟!
تعلم الدول العظمى حقيقة المعجزة التى تحققت بأيدى جنود الجيش المصرى حيث قامت بتصوير العبور لحظة بلحظة وكافة العمليات العسكرية من اقتحام خط بارليف الذى اتضح أنه «هش مثل البسكويت» وتهاون نقاطه الحصينة الواحدة تلو الأخرى مثل قطع «الدومينو».. فقد قامت الأقمار الصناعية التى تمتلكها فى ذلك الوقت أمريكا والاتحاد السوفيتى بالتصوير.
تجلت خلال حرب أكتوبر قدرة المصريين على تحقيق المعجزات وقهر المستحيل.. مما خلق «روح أكتوبر» التى نحن فى أحوج الحاجة إليها لنخرج من عنق الزجاجة وبناء الوطن الذى نحلم به وإنعاش الاقتصاد.. وإعطاء الأمل للأجيال القادمة.. ولن يكون ذلك إلا كما فعلنا من ٠٥ عاماً بالإيمان والعمل والعلم والصبر والتضحية والتكاتف وتلاحم الشعب والقيادة والجيش فهذا هو مفتاح النصر.
نصر أكتوبر الحقيقى ببطولاته وقادته وأسماء الشهداء والأبطال من ضباط وجنود القوات المسلحة.. والمعجزات التى حققوها ابتداء من إعادة بناء الجيش وابتكار خراطيم المياه التى دمرت الساتر الترابى وتطوير الأسلحة بعقول وسواعد مصرية واختيار شفرة من النوبة حيَّرت العدو.. وعبقرية الخداع الاستراتيجى وتحديد موعد الهجوم وجسارة الجنود الذى لم يهابوا من فتحات النابالم التى قالوا إنها ستحيل القناة إلى جهنم يحرق كل من تسول له نفسه العبور.. كل ذلك لا يأتى شيئاً أمام أبطال كانوا يواجهون دبابات العدو بصدورهم ويدمرون ٠٠٥ دبابة فى يومين ويأسرون «عساف ياجوري» وجنوده ويفضحون أسطورة الجيش الذى لا يقهر أمام العالم.. هذه البطولات تحتاج لمن يوثقها ويرويها.. فإذا كان اليهود فى السينما العالمية أنتجوا فيلماً «لجولدا مائير» وهى المهزومة صحيح أن فيه بعض الإنصاف ولكن ليس أقل من إنتاج عدة أفلام ومسلسلات وكتابة قصص وروايات القادة والشهداء والضباط والجنود الذين انتصروا فوراء كل واحد منهم ألف قصة وحدوتة ولنبدأ بمن حصلوا على نجمة سيناء ونجمة الشرف ليعرف الشعب من هم وما هى بطولاتهم.. وعلينا أيضاً تكريمهم وإطلاق هذه الأسماء التى نفخر بها على شوارعنا خاصة أن هناك بعض الشوارع والحوارى يطلق عليها أسماء بلا معنى بل أحياناً تكون مخجلة لسكانها مثل بركة الفل ودرب المهابيل وقلعة الكبش وغيرها!!
كلما عادت نسائم أكتوبر.. هلت على المصريين بشائر الأمل التى تبعث فى النفوس الثقة فى قدرة الشعب على تحدى الصعاب وعبور الأزمات وتحويل كل هزيمة إلى انتصار بالعمل والصبر ودعاء الله أكبر!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة