كنا صغارًا.. ولكننا كنا جنودًا فى مدرسة الوطنية المصرية.. كنا أطفالاً ولكننا كنا نتابع ناصر فى خطبه النارية ونهتف بالروح بالدم نفديك يا جمال.. وكنا صغارًا ونحن نحلم ونعمل فى إطار مصر كلها لتحقيق حلم واحد وهو استعادة الأراضى العربية التى استولت عليها إسرائيل فى حرب يونيو من عام سبعة وستين.. وكنا صغارًا فى أعمارنا ولكننا كنا كبارًا فى إرادتنا وثقتنا بأن النصر قادم وأن جيش مصر العظيم سوف يعيد إلينا الكبرياء والفخار.
وعندما استمعنا إلى الصوت القادم عبر أثير الإذاعة عندما كانت الإذاعة المصرية هى كل وسائل الإعلام مجتمعة.. وكان الصوت هادئًا واثقًا يحمل إلينا البشرى بعبور رجال قواتنا المسلحة مياه قناة السويس واقتحام خط بارليف المنيع واسقاطه ورفع العلم المصرى فوق سيناء فإنها كانت اللحظات التى لا تنسى والتاريخ الذى تتجدد ذكرياته وأحداثه فى كل عام نحتفل فيه بذكرى أعظم انتصارات العسكرية المصرية فى العصر الحديث.. ذكرى انتصار أكتوبر.
واليوم وبعد خمسين عامًا فإننا نبدأ بالاشادة بصاحب القرار.. بالعبقرى الخالد فى الوجدان والعقل المصرى بمحمد أنور السادات صاحب أكبر وأهم وأذكى خطة خداع استراتيجى كانت سببًا فى شل القدرات العسكرية الإسرائيلية فى ساعات الحرب الأولى الحاسمة وفى امكانية الوصول إلى سيناء قبل أن تنجح إسرائيل فى استيعاب المفاجأة.
والسادات الداهية.. السادات الذى اكتوى بنار السخرية لتأخره فى إعلان قرار الحرب لسنوات اصدر أهم وأخطر قرار فى تاريخ مصر المعاصر.. قرار العبور مدركًا أنها المعركة الحاسمة وأنها المواجهة التى ستقرر أن نكون أو لا نكون.. اللحظة التى ستكتب تاريخ مصر.. إما الانتصار وأما الموت والاستشهاد.. والسادات لم يغامر بمصر.. ولم يراهن على المصير.. السادات كان واثقًا من الرجال وعزيمة الرجال.. ورغبة الرجال فى التضحية بدمائهم لتعيش مصر.
> > >
وإذا كان أنور السادات صاحب القرار.. وبطل الحرب فإن جمال عبدالناصر أسطورة مصر الخالدة.. جمال عبدالناصر الكاريزما والزعامة والوطنية والعروبة كان هو الرئيس الذى أعاد تكوين وبناء القوات المسلحة المصرية لمعركة الكرامة والرئيس الذى كنا نأمل ونتمنى لو أنه رأى وشاهد ثمار عمله وجهده والسنوات التى لم يغمض له فيها جفن فى الاستعداد للمعركة.
فعبدالناصر الذى أدرك بعد نكسة يونيو أنهم تكالبوا عليه لاسقاط حلم العروبة والوطن العربى الكبير قضى أعظم سنوات حياته فى العطاء من نكسة يونيو سبعة وستين إلى وفاته بعدها بثلاث سنوات.. وفى هذه السنوات فإن ناصر مصر بذل كل الضغوط الممكنة على الاتحاد السوفيتى أنذاك لإعادة تسليح الجيش المصرى بشكل مختلف وبأسلحة غير مألوفة لتحقيق التوازن فى ميدان المعركة ومفاجأة جيش إسرائيل بأسلحة غير معتادة لتحييد قوة الطيران الإسرائيلى والتى تمثلت فى صواريخ سام المحمولة على أكتاف الجنود التى كانت كفيلة فى المعركة بإسقاط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية.
وعبدالناصر الذى كان يتابع كل خطوات إعادة بناء الجيش المصرى كان يمثل فى الوقت نفسه رمز الصمود والمقاومة والقيمة المعنوية التى تمنح شعب مصر الثقة فى أن النصر قادم مع ناصر.
وعندما انتقل عبدالناصر إلى رحمة الله فإن شعورًا باليأس كان قد بدأ يسيطر وملامح القلق تظهر من عدم امكانية خوص المعركة بدون ناصر وهذا الشعور كان أيضا من عوامل النصر ومفاجأة السادات فى اتخاذ القرار لأن أحدًا لم يكن يتوقع أن هناك من سيقدر على المغامرة باتخاذ قرار جديد بالحرب..!
> > >
وعندما نتحدث فى هذه المناسبة عن السادات وعن ناصر وعن القادة الذين أداروا المعركة وعن الضربة الجوية المنظمة التى قادها حسنى مبارك فإن الحديث يبقى ذا شجون عن المقاتل المصرى الشرس الذى عبر القناة إلى سيناء وهو يدرك أنها قد تكون خطواته الأخيرة فى رحلة الحياة وأنه قد يعود إلى أهله ملفوفًا فى علم.. فهذا المقاتل الذى رفع العلم وقفز إلى القوارب المطاطية لعبور القناة كان يحمل فى أعماقه مخزون الشخصية المصرية.. مخزون الكبرياء ومخزون الشرف.. ومخزون الغيرة على الأرض والوطن.. ومخزن الكرامة والإرادة والفداء.. مخزون الاستشهاد وما أقوى وما أنبل أن تكون قضيتك فى سبيل الله.. وما أرقى أن تستعذب الموت فى سبيل نيل الشهادة الطريق إلى الفردوس الأعلي.. طريق الحق والنخوة و الدفاع عن العرض والشرف.
> > >
وذكريات أكتوبر لم ولن تنتهي.. ذكريات أكتوبر هى العلاج والشفاء لكل أزماتنا وتحدياتنا.. ذكريات أكتوبر تؤكد أننا نستطيع.. وأن لدينا القدرة على صناعة وتحقيق المعجزة مهما تكالب علينا الأعداء.. ومهما غدر بنا الأصدقاء والأشقاء.. فمصر الكبيرة القوية عصية عليهم جميعًا.. ومصر لا تتأثر بطعنات تأتى من هنا أو هناك ولا بمشروعات تستهدف حصارها.. ولا بتحالفات لافقادها قرارها ودورها.. ولا بمليارات تنفق وتهدر لايقاف وتشويه مشروعها الوطنى العظيم لبناء جمهورية جديدة للأمن والاستقرار والتقدم.. ومصر أكتوبر العظيمة هى مصر الانتماء والاصطفاف الوطنى لكتابة أسطر المجد والنجاح.. مصر العظيمة لا تتأثر ولا تهتز لأزمات اقتصادية طارئة.. ولا بارتفاع أسعار متعمد من تجار الأزمات ومصر لا تلتفت لكل محاولات تصدير اليأس والاحباط لها.. فالشعب الذى عبر القناة باسم الله.. وبعزيمة الأسود قادر على أن يهضم ويبتلع فى معدته القوية كل التحديات وأن يعيد كتابة تاريخ جديد من الانجازات.. نحن شعب مصر عبرنا القناة قبل خمسين عامًا فى وقت توقع فيه الجميع استسلامنا وقبولنا بالأمر الواقع.. وبعد خمسين عامًا سيكون هناك عبور عظيم آخر سيكتب عنه الأحقاد بعد خمسين عامًا عندما يتذكرونه ويستعيدون ذكرياته على أنه عبور آخر كتب تاريخًا جديدًا لبلد هو أحلى اسم فى الوجود.. اسمه مصر.
وأخيرًا:
لله ألطاف خفية تسير تسخر تحيط وتضمد فسبحان الله.
وهناك ثمة حقائق فى الحياة يمكن فهمها ولكن لا يمكن افهامها للآخرين.
وعندما تفقد الرغبة لن تغريك الفرص حتى لو جاءت على مقاس أمنياتك راكعة.
واللهم أنت المعين وأنت من به النفس تستعين.