رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

وعندما نتحدث بعد خمسين عامًا من ذكرى الحرب الخالدة التى انتصر فيها الجيش المصرى ورجالاته البواسل فى معركة استعادة الأرض والكبرياء والكرامة فإننا نستعيد ذاكرة هذه الأيام التاريخية التى كانت بداية لتغيير شكل وخارطة المنطقة.
فالعبور المصرى الكبير فى هذه الحرب أنهى حالة اللا حرب واللا سلم التى كانت سائدة وأكد أن العرب لديهم القدرة والمقدرة علي أن يخوضوا الحرب وأن يحققوا الانتصار.. وهذا الانتصار دفع إسرائيل لإعادة التفكير فى الاستجابة لمبادرات التسوية والسلام التى تقوم على أساس مقايضة الأرض بالسلام.
وبقدر ما فاجأ ابن مصر محمد أنور السادات العالم بقرار الحرب فإن المفاجأة الأكبر كانت بقرار السلام وإعلانه الاستعداد للذهاب إلى مقر دار العدو فى إسرائيل لكى يتحدث أمام الكنيست الإسرائيلى عن آفاق السلام.
والعالم الذى وقف مذهولا أمام إعلان السادات ظل حابسا لأنفاسه فى لحظات لا تنسى عندما كانت طائرة الرئيس محمد أنور السادات تهبط فى مطار بن جوريون فى تل أبيب فى التاسع عشر من نوفمبر من عام ٧٧٩١.. فلم يكن هناك من يتخيل أو يعتقد أنه من الممكن أن تكتب له الحياة ليعيش ويرى هذه اللحظة.
> > >
وظهر الأسد المصرى الجسور محمد أنور السادات في مطار بن جوريون الإسرائيلى، هبط من الطائرة مرفوع الهامة، ممشوق القوام يسير بخطوات واثقة ووجه يحمل كل ملامح الشموخ والثقة ويصافح مستقبليه من قادة إسرائيل ويداعبهم بالتعليقات الساخرة ومجسدًا لهم وأمامهم صورة المقاتل المصرى الذى أذاقهم الرعب فى حرب أكتوبر للعبور العظيم.
ويخطئ من يعتقد ظلمًا ووهمًا وبطلانًا أن سادات مصر ذهب يبحث عن السلام المنفرد لمصر أو أنه ذهب يعلن انتهاء حالة الحرب.. فالسادات وفى خطابه التاريخى أمام الكنيست كان واضحًا عندما قال إنه لم يأت ليعقد اتفاقا منفردًا بين مصر وإسرائيل، فهذا ليس واردًا فأى سلام منفرد لن يقيم السلام الدائم والعادل فى المنطقة. والسادات أوضح إصرار مصر على تحقيق الانسحاب الكامل من الأراضى التى احتلتها إسرائيل بالقوة بما فيها القدس العربية.
وعاد السادات إلى مصر بعد أن قلب موازين العالم وبعد أن تحول إلى بطل للحرب والسلام وبعد أن جذب كل الأنظار إلى مصر وبعد أن نجح فى أن يرغم الولايات المتحدة الأمريكية لأداء دورها فى أن تكون راعيًا للسلام فى المنطقة. ولم يتردد السادات طويلاً فى توجيه الدعوة إلى مؤتمر فى فندق ميناهاوس بالجيزة لبدء حوار حول الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى العربية ودعا إلى حضوره فى ديسمبر ٧٧٩١ الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى والأردن وسوريا ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية ومصر الدولة المضيفة.. ورفعت أعلام الجميع فوق مائدة المفاوضات فى ميناهاوس ولم يحضر إلا الأمم المتحدة وأمريكا ومصر وإسرائيل.. وظلت بقية المقاعد شاغرة وضاعت بذلك فرصة ذهبية لن تتكرر أبدًا.
> > >
ولم يكن قرار السادات بالسلام منفردا كما يحلو للبعض اتهامه بذلك، فالسادات الذى احترم الشركاء العرب فى معركة الانتصار أراد أن يتحمل وحده مسئولية فشل هجوم السلام.. وعندما تيقن من أن العالم قد استوعب مبادرته وأن هناك قوة هائلة للدفع فى اتجاه استعادة سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس فإنه سارع إلى دعوة كل أطراف النزاع لحضور أول مؤتمر فى هذا الصدد فى ميناهاوس.
ولكن محاولة السادات فى جذب باقى الأطراف لمائدة المفاوضات لم يكتب لها النجاح رغم أن دولا عربية كثيرة من التى عارضت مبادرة السادات كانت قد عبرت له عن تأييدها سرا وتراجعت عن هذا التأييد أمام ظهور أطراف وقوى عربية متشددة وجهت تهديداتها علنًا لكل من يجرؤ على إعلان التأييد للسادات واعتقدت وهمًا أن الفرصة قد أصبحت مواتية أمامها لسحب البساط من القاهرة ونقل مركز التأثير والقيادة إلى عواصم عربية أخرى وبدأت فى إلقاء الاتهامات للسادات لتغطية أهدافها الحقيقية وللإيحاء بأنه السبب فى حالة الانقسام العربية.
وأيًا كانت دفوعات ومجادلات هذه المرحلة، فالتاريخ أثبت أن السادات كان صاحب الرؤية، فالرجل الذى ظلت بلاده تعانى وتعانى من ويلات الحروب وحيث لم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت المعركة كان يبحث عن مصلحة مصر التى عانت من تدهور هائل فى الخدمات والبنية التحتية وتأجيل متواصل لمشروعات التنمية فى الوقت الذى كان فيه من يدعمون خيار حالة الحرب التى لا تنتهى هم من يجنون ويحصلون على الأرباح الهائلة من توابع الحرب والاقتصادات الجديدة.. وأيًا كانت هذه المجادلات أيضا فإن التاريخ أنصف أنور السادات الذى نجح فى استعادة سيناء كاملة وأعاد رفع العلم المصرى فوقها ليثبت أن دعابته التى أطلقها فى لقاء له مع مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل لم تكن دعابة بل كانت حقيقة، فقد طلب بيجين من السادات أن يوجه له الدعوة لزيارة القاهرة، فرد السادات قائلا »سأوجه لك الدعوة لزيارة سيناء«، واستدرك بيجين متسائلا فى استنكار واضح قائلاً سيناء.. إذا كان هذا اللقاء سيتم فى سيناء فسأوجه أنا الدعوة على اعتبار أن سيناء كانت لا تزال تحت سيطرة إسرائيل..!! ولم يكن بيجين يدرك أنه يتعامل مع السادات.. المعجزة المصرية التى احتار العالم فى تفسيرها إلى اليوم.. والرئيس الذى سبق عصره والذى نحتفل به اليوم مع كل أبطال أكتوبر الذين ردوا إليها الاعتبار.
> > >
وأخيرًا:
هذا هو واقعنا الحقيقى، فالمال أسكت
الكثيرين عن قول الحق.
> > >
وتتمثل السعادة فى صحة جيدة
وذاكرة سيئة.
> > >
وهذا المجتمع قاتل للعفوية
والتلقائية والسلاسة والبساطة
وعاشق للحقد والتصنع بامتياز.
> > >
وأرجو من الأيام ألا ترينى فيك
يأسا أبدا، ولا أرى فى وجهك شحوبا، أتمنى أن
أراك مشرقا دائما كما أراك بداخلى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة