لحظة تمرد
كم أشتاق إلى الرحيل اليك.. كم أشتاق إلى الجلوس فى رحابك… ذهبت اليك منذ سنوات وكنت أظن أن زيارة واحدة تكفي، لكننى أدركت ولكن بعد فوات الأوان ان هذه البداية كانت كأول رشفة ماء أو مس بقطنة مبللة بماء على شفاه سائر فى الصحراء منذ سنوات كاد يهلك من العطش.
ذهبت اليك مثقلاً بهمومى وذنوبى وديونى قبل الذهاب إلى بيت الله الحرام، فشعرت بعظم الهم والجرم.. كيف أتى اليك مثقلا بذنوبى قبل ان أروح بها إلى الكعبة ليغفر لى الغفور الرحيم ؟
قلت فى نفسى ألم يكن الأفضل أن أتى إليه كما ولدتنى أمي، نقيا من الذنوب والهموم حتى يكون اللقاء خالياً من أى غرض أوعرض أو مرض.
لا اعرف هل هذا حديث الوجدان أم وسوسة الشيطان خاصة أن الزحام كان شديداً للدخول إلى روضته الشريفة قبل أذان العصر.. عشرات الآلاف يتراصون أو قل يتزاحمون كالطوفان للفوز بموضع قدم فى روضته الشريفة.
كان الحوار مع صاحب الروضة يستغرقني، ولا اعرف كم من الوقت مضى وأنا أتخيل المكان بصورته البدائية حين توقف الحبيب بالناقة وقال «صلى الله عليه وسلم»: دعوها فإنها مأمورة.
وبذلك حُدد مكان المسجد النبوى ومقره النهائي، وقول الرسول: دعوها فإنها مأمورة، تعنى من وجهة نظرى أن الأمر سماوى لا دخل للرسول نفسه فيه، يعنى الله اختار هذا المكان مثلما اختار البيت المعمور منذ نشأة ألخليقة وجاء سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل ليرفعا القواعد.. قال الله تعالي-: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلَ».
وهذا يعنى ان هناك بيتا وله قواعد غمرتها السنين وأراد الله ان يعيد اظهارهم على يد سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل.
ورغم تعدد الروايات عن وقت وضع القواعد الأصلية و بناء البيت الحرام فى صورته الأولى ونسبتها إلى الملائكة أو آدم أو إبراهيم وولده إسماعيل وما بينهم من روايات، لكن المهم هنا ان هناك قواعد وبيتاً تم اعادة رفعها من جديد على يد سيدنا إبراهيم.
لكن هنا الوضع مختلف.. جاء الأمر السماوى ليحدد موضع ثالث الحرمين الشريفين و بيد رسولنا الكريم. التنفيذ.
أقف هنا تحوطنى الرحمة وللشفاعة والمغفرة التى لا اعرف من أين تأتى نسائمها، ولكنها تلفنى وتتخللنى من كل جانب.. لا اعرف كيف بدأت التحليق من مكانى إلى هناك الذى لا اعرفه.. الدموع تنساب وتغرق الوجه ولا اعرف كيفية ايقافها ولا سبب هطولها بهذه الغزارة أصلا..
وبين هنا وهناك.. وجدتنى مدفوعا بطوفان من البشر إلى ساحة من المسجد تفصلها الروضة الشريفة، وهى المساحة المجاورة لقبر ومقام وبيت الرسول ومنبره الذى وقف فيه ليخطط لقيام دولة الإسلام.
ذوبانى فى الطوفان واندفاعى توقف فجأة حين وجدتنى مجبراً على التوقف بين جالسين غارقين فى الملكوت.. قلت لأحد الجالسين وأنا بين اجهاد السنين وراحة اللحظة، بين اليقظة والغفوة: أين الروضة الشريفة؟
نظر لى بابتسامة رقيقة تتسلل من وجه منير: انظر إلى أسفل قدمك؟
نظرت.. وحين تأخر رد فعلي.. قال:-
> هذه هى السجادة الخضراء..!!
تذكرت ان باقى السجاد فى المسجد كان يميل إلى اللون الأحمر أو الطوبي..تأخر رد فعلى للمرة الثانية، فلم يجد الرجل مفرا من الإفصاح حتى يعود إلى ملكوته الذى أخرجته منه، قالها بابتسامة العارف الواثق المطمئن:
> أنت فى الروضة الشريفة.
انتابتنى رعشة وألتفت يمينى فوجدت رجلا أفريقيا لم أكن اشعر به وهو يتابع الحوار وحين سمع أننا فى الحضرة النبوية الشريفة لم نشعر وإلا بكلينا فى حضن الآخر، والدموع تنساب منا أنهاراً، والله أكبر تخرج منا فى نفس واحد متحشرج يأبى أن يظل فى الصدور..
استجمع بقاياى من هنا ومن هناك.. من التاريخ والحاضر.. من الواقع والخيال.. أتحرر منى وأدخل فى ركعتين فى رحاب الحبيب التى اتسعت داخلى على الرغْم من ضيق المساحه التى أخذها جسدى بالعافية ممن حوله الذين حاولوا مدها أمامى بضعة سنتيمترات حتى أستطيع السجود..
لا اعرف كيف بدأت الصلاه؟ وماذا قلت؟ وكيف ركعت؟ وكيف سجدت؟.. لكن الذى أدركته فيما بعد أننى كنت فى عالم آخر... لا اعرف كم من الوقت مضى حتى جاء صوت من الميكروفون يطالبنا بأن نعطى أحباب رسول الله الواقفين خارج الروضة فرصة للدخول.. تلكع البعض وأنا منهم على الرغْم من حزم رجال الأمن، لكن الذى حسم الموقف صوت جاء من بعيد لا اعرف من صاحبه، هل يسكن فى داخلى أم يسكن فى الخارج بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه!!
خرجت من الروضة كمن ارتشف أول رشفة بعد عطش شديد من رحلة طويلة فى الصحراء، خرجت من الروضة وأنا أسعى للرحلة الأخرى رحله الوصول إلى قبر الرسول.. أعشم النفس بالارتماء فى أحضانه أو الجلوس أمامه.. أريد أن أحاوره.. أريد أن أستمع إليه.. أريد ان اسأله.. أشتاق إلى إجاباته.. أريد شفاعته.. أريد مسامحته وقد جئته محملا بذنوبى وكنت أود أن آتى إليه متطهرا منها ومتخففا من همومى حتى يكون الحُوَار والزيارة بلا غرض الا حبه.. أريد أن أعرض عليه حالنا وحال المسلمين.. أريد أن أستنجد به مما يدور حولنا.. أتشبث به وبقوله: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ».
يعنى الناس، كل الناس من كل دين ولون وجنس تحتاج إلى الرحمة وأنت من بعثك المولى رحمة لنا جميعاً..
نظرت من بعيد إلى الممر الذى يؤدى إلى المقام الشريف وجدت الحراس لا يسمحون بالوقوف أمامه.. المرور السريع فقط وإلقاء السلام على الحبيب وصحبه ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
أقول لنفسي.. يعنى جئت من آخر الدنيا حتى تمر من أمامه ولا تجلس أمامه أو تحاوره فى بيته الذى أصبح مستقره.. كيف أسامح نفسى على هذا التقصير..كان المؤذن قد رفع اذان المغرب واستعد المصلون للصلاه وحين شعرت بفقدان الأمل وخف السائرون إليه قلت فى نفسى أذهب اليه وأتباطأ أمامه مستغلاً قلة أعداد السائرين أمامه من أى وقت آخر.. سرت اليه وأنا أحادثه:
جئتك من هناك وأتمنى الجلوس إلى جوارك ولكن يبدو ان الحلم صعب المنال..
حين اقتربت منه غمرنى النور وانهمرت الدموع كالطوفان تحسست جدران مقامه بيدى المبللة بالدموع وصوت متحشرج لاأدركه ولا أفهم مفرداته بل يصعب عليه حتى نطق حروفي.. ليس مهما أن ينطق لغايا.. مابينى وبين الحبيب تواصل لا تعرفه لغة أو إشاره.. وفى غمرة هذا التحليق بين الأسوار والواقع، بين الهنا وهناك، جاء صوت المؤذن لإقامة الصلاة، فارتفع صوت الحراس: كل يصلى فى مكانه.
فوجدتنى أقف وخلفى قبر الرسول مباشرة وكأن الحبيب رفض وأبى أن يردنى من أمام بابه واستضافنى لدقائق أخرى تمتد طوال الصلاة، وكأن المولى عز وجل قد رد على حبى لرسوله بحب أشد، جمعنى به فى الصلاة وفى رحاب حبيبه المصطفي!!