من الألف إلى الياء
في عصر متغير سريع التقلبات، علي عكس ما يتوقع البعض فإنه من الصعب جدا صناعة وتقديم رسالة إعلامية عالية الجودة، مكتملة العناصر المهنية والوظيفية.
وعلي النقيض تماما من السهل جدا إنتاج رسائل إعلامية عشوائية الهدف والمضمون.
ووفقا لآليات العصر الرقمي وخوارزمياته المتحيزة، فالطريق أصبح وأمسي ممهدا ومفروشا بالورود لكل ما هو سطحي، مثير ، مضلل، ومعبد بالأشواك والمشاق والصعاب لكل ماهو جاد، صادق، وموضوعي.
وهكذا تواجه منظومة العمل الصحفي الإلكترونية مجموعة من التحديات المستجدة، كطبيعة المنافسة غير المتكافئة مع المنصات الموجهه، وأباطرة المؤثرين و"اليوتيوبرز" و"البيلوجرز" ودعاة "صحافة المواطن"، إضافة إلي غياب رؤية محددة لتحديد آليات ضبط الأداء المهني وقواعد العمل الإعلامي، كما أن هناك تحديات تتعلق بكمية الأخبار الزائفة، الملونة، الموجهه، المغرضة والمضللة، والتي تتطلب استعدادا خاصا وحصانة مهنية متعددة الأوجه لدي القائمين بالاتصال وحراس البوابة الإعلامية.
وتتزايد هذه المسؤولية مع التسليم المحفوف بالحذر بحق القارئ أو المشاهد في معرفة الحقيقة الكاملة بلا تلوين أو إجتزاء أو تضليل ..، هذا علاوة علي تحديات المسؤولية الإجتماعية، والأخلاقية، والإنسانية حول كل ما ينشر، وما يبث دون النظر لفكرة صناعة السبق و"التيرند" ، ومن ثم تحصيل أموال أو نصيب من الإعلانات الترويجية الدعائية، أو حقوق الرعاية، وغيرها من صور الإعلام الرأسمالي!.
و تتزايد المصاعب والمعوقات المهنية مع ظهور التقنيات المنافسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، والتي أمست أداة عصرية من المنطقي أن تكون عاملا من عوامل التجويد والتطوير . وعلي الجانب الآخر إضفاء المصداقية علي الأخبار الزائفة والكاذبة، وأحيانا إسباغ التلقائية والمحاكاة الواقعية للأحداث بما تملكه من تقنيات ووسائط ذكية قادرة علي تجاوز حدود الزمان والمكان، والتلاعب في الصور، والصوت والخلفيات والألوان والمؤثرات، وغيرها.
ومع التطور المتصاعد في هذه التقنيات يري البعض أن مهنة الصحفي أو الإعلامي في طريقها للإندثار والتماهي، مع ثورات تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي دخلت في منافسة مباشرة للإحلال والتجديد مع مختلف أجيال صحافة العصر.
ولا أدري لماذا يروق للبعض فكرة الانحياز الصحفي "الآله" والذي يعتمد علي توظيف كافة إمكانيات أجهزة الذكاء الاصطناعي، والتخلي التدريجي عن أدوات وجدارات الصحفي التقليدي " الإنسان"، ومن ثم القضاء علي الإبداع البشري، دون إدراك لخطورة التنازل عن الأبعاد القيمية والانسانية والأخلاقية والتي تشكل منظومة العمل الإعلامي المتكامل، وهو ما يلتزم بها القائم بالاتصال في صورته البشرية التقليدية، وذلك في كل المواد المعدة للنشر، قبل أن تصبح متاحة للرأي العام، وهو ما تفتقده هذه التقنيات التي تعتمد علي فكرة توليد الأفكار وإنتاج التقارير المختلفة بناء علي قواعد بيانات قد تفتقد الدقة والموضوعية، وإن اتسمت بالسرعة والتنوع !
وفي هذا السياق أنتجت شركة جوجل أداة ذكاء اصطناعي أطلقت عليها اسم(Genesis)، يتخوف البعض من كونها مهددا حقيقيا لمهنة الإعلاميين، فالأداة لها القدرة على كتابة المقالات الإخبارية بصفتها زميلاً مساعداً شخصياً للصحفيين حيث تُنتج القصص الإخبارية وتوجهها إلى المؤسسات الإخبارية مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" وغيرها.
ويمكن للأداة استيعاب المعلومات مثل تفاصيل الأحداث الجارية، وإنشاء محتوى إخباري. فتكون بذلك مساعدة شخصية للصحفيين تساعد على توجيه النشر، وتعمل على "أتمتة" بعض مهامهم وتوفير وقتهم بعيداً عن مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ فهي تقدّم اقتراحات لعناوين الأخبار أو أنماط الكتابة البديلة لتعزيز الإنتاجية. وما تزال الأداة قيد التطوير، لكن المتحدثة باسم "جوجل" جين كريدر، قالت في بيان سابق: "بالشراكة مع ناشري الأخبار، وخاصة الناشرين الصغار، نحن في المراحل الأولى لاستكشاف الأفكار لتوفير أدوات ممكّنة للذكاء الاصطناعي لمساعدة صحفييهم في عملهم".
وأضافت: "بكل بساطة، لا يُقصد بهذه الأدوات، ولا يمكنها أن تحل محل الدور الأساسي الذي يلعبه الصحفيون في إعداد التقارير، وإنشاء مقالاتهم والتحقق منها".
وأتصور أن فكرة المساعدة في تطوير واختصار الزمن هي الأقرب للقبول، وفي توصيف العلاقة بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والعمل الصحفي بمواصفاته الأقرب إلى الدقة والصدق والموضوعية.
وترصد دراسات معاصرة مختلف أوجه الإشكاليات وصور الجدل حول هذه القضية، وهو ما عرضته دراسة علمية نوقشت مؤخرا بكلية الإعلام جامعة القاهرة تحت عنوان «تطبيقات تقنيات الذكاء الاصطناعي في المواقع الإخبارية وعلاقتها بتطور أداء هذه المواقع.. دراسة تطبيقية على عينة من المواقع العالمية والعربية».
وقد توصلت الباحثة كرستينا عياد في رسالتها لنيل درجة الماجستير من خلال نتائج الدراسة إلى أن العلاقة بين الصحفيين وتقنيات الذكاء الاصطناعي هي علاقة تكاملية، لن يتم الاستغناء فيها عن دور الصحفي البشري، كذلك فإن تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات التي يتم تغذية قاعدة البيانات بها وينعكس على جودة ودقة المحتوى الذي تنتجه تلك التطبيقات الذكية.
واعتمدت الباحثة على نموذج قبول التقنية، كما استخدمت المنهج الإثنوجرافي والذي يعتمد في جمع بياناته على الملاحظة والمقابلة المفتوحة المتعمقة مع عينة الدراسة.
وعرضت لأهم تطبيقات تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحافة بشكل متخصص، حيث شمل ذلك العلاقة بين التكنولوجيا والصحافة، واستخدامات الذكاء الاصطناعي في الصحافة مثل إنتاج القصص الإخبارية، التعرف على الصور، إنتاج فيديوهات "مؤتمتة"، التعامل مع البيانات، الترجمة الصحفية.
كما عرضت الباحثة لأهم المؤسسات الصحفية التي استخدمت هذه التقنيات حول العالم، وكذلك الشركات العاملة في تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وعليه شملت الدراسة تجارب لمواقع إخبارية استخدمت تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى بواسطة الآلة وتحليل هذه المحتوى، وإلقاء الضوء على تجربتهم في إنتاج تقارير تتعلق بالبورصة والوظائف، وتحويل مشاركات المشاهير على حساباتهم بمنصات التواصل الاجتماعي لأخبار ومقالات، بالإضافة لتطبيق تقنيات تحويل التقارير لألعاب لإضفاء عنصر التشويق لدى القراء.
كما عرضت لدراسة حالة لوكالة أنباء "رويترز" كنموذج دولي، حيث قامت بتحليل أدوات الذكاء الاصطناعي، التي يستخدمها الصحفيون داخل غرفة الأخبار ومنها أداة Tracer، والترجمة الآلية، وإنتاج فيديوهات رياضية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومنصة "رويترز كونكت"، وتجربتها في تقصي الحقائق والاخبار خاصة خلال فترة انتشار وباء كورونا.
واقترح ضرورة أن تكمل الهيئة الوطنية للصحافة المشوار الذي بدأته قبل سنوات، وإعداد برامج جديدة ومكثفة للتدريب العملي للصحفيين علي مختلف المتطلبات المهنية للمواقع والمنصات الرقمية، بهدف إنتاج رسالة إعلامية قوية ومتكاملة ، وإعداد الصحفي العصري الشامل.
ومن قبل تبقي إرادة القائمين بالاتصال من الصحفيين والإعلاميين لتجاوز كافة التحديات هي الفيصل للارتقاء وتحديث كافة عناصر المنظومة الإعلامية وصناعة الإبداع اللامحدود !.