"بالبنط العريض"
فى سياق حديثنا عن الاحتفال بمرور نصف قرن على انتصارات أكتوبر المجيدة كنا قد بدأنا الأسبوع الماضى التعرض للكتب التى خرجت من الداخل الإسرائيلى تتحدث عن الحرب وفق شهادات من عايشوها وحاربوا فيها من الإسرائيليين وهى الشهادات الحقيقية غير تلك التى تصدرها إسرائيل منذ اليوم الثانى لهزيمتها على أنها حرب انتهت بلا فائز ولا مهزوم.!!. كانت البداية بكتاب «الاستنزاف الحرب المنسية» واليوم نستكمل مع كتاب ثان لنفس المؤلف، المؤرخ العسكرى الإسرائيلى البروفيسور يوآف جيلبر القائد السابق للواء المظليين الإسرائيلى والمستشار الأكاديمى بكلية القيادة والأركان وأستاذ التاريخ العسكرى فى جامعة حيفا، تحت عنوان «الغطرسة»، صدر فى يوليو 2021، يتحدث عن غطرسة القوة التى نشأت بعد حرب 1967 بين القيادات الإسرائيلية، وأدت إلى هزيمتهم النكراء فى حرب أكتوبر، الكتاب هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة دراسات، أدرجها جيلبر تتناول الجيش الإسرائيلى فى السنوات ما بين نهاية حرب يونيه 1967 واندلاع حرب أكتوبر 1973، الجزء الأول كان «الاستنزاف الحرب المنسية» الذى تحدثنا عنه فى المقال السابق والجزء الثانى هو «الزمن الفلسطيني» حول العلاقات العسكرية بين إسرائيل والأردن والفلسطينيين، كما تطورت بعد حرب الأيام الستة وهى التسمية الإسرائيلية لحرب 5 يونيه 1967.
كتاب «غطرسة القوة» يتناول جوانب من أسباب هزيمة إسرائيل فى الحرب، نافيًا اقتصارها على فشل الاستخبارات الإسرائيلية، وأوضح جيلبر أن المصريين حطَّموا نظرية إسرائيل الأمنية، قائلا: حرب يوم الغفران ــ وهى التسمية الإسرائيلية لحرب أكتوبر ــ أثبتت فشلاً ذريعًا بسبب الافتقار الإسرائيلى إلى فهم التغيرات التى مر بها الخصوم إلى جانب ظروف الساحة الجديدة، لقد كانت حربًا حقيقية، على كل الفجيعة والحزن والمعاناة والتساقط الذى حدث فى هذه الحرب، وكذلك مع كل العزم والعمل التطوعى والتضامن الذى يطفو على السطح فى زمن الحرب، وفوق كل شيء، لا تعد هذه الحرب حلقة فى سلسلة الحروب التى حلت بإسرائيل فحسب، بل هى حرب أدت إلى أول اتفاقية سلام بين إسرائيل ودولة عربية، اتفاقية لم يكن من الممكن تصورها من قبل، ولا حتى نشاطًا رجعيًا يدعى معرفة «ماذا كان سيحدث لو ....».
نفس المؤلف يوآف جيلبر له العديد من المقالات والشهادات الكاشفة عن حالة الهزيمة المدوية التى تعرضت لها إسرائيل فى حرب السادس من أكتوبر 1973 فمنها مثلا حوار لصحيفة هاآرتس العبرية أجراه معه عوفر اديريت نشر يوم 6 أكتوبر عام 2021 كان عنوانه «البروفيسور يوآف جيلبر، الذى قاتل فى سيناء وعمل فى لجنة أجرانات التى شكلت لبحث أسباب الهزيمة، يدعى أن التركيز على فشل الاستخبارات يغطى انحطاطًا أوسع»، فى هذا الحوار قال يوآف جيلبر إنه لا فائدة من الاستمرار فى التعامل مع الفشل الاستخباراتي، على أنه المشكلة الرئيسية التى تسببت فيما حدث فى حرب يوم الغفران فى أكتوبر 1973 أضاف: بعد المشاركة فى المعارك كمظلى والعمل كباحث فى لجنة أجرانات، أقول عن تجربة و معايشة إن الانحلال كان فى كل مكان هيئة الأركان العامة فقدت السيطرة تمامًا.
ولد يوآف جيلبرعام 1943، ودرس فى جامعة حيفا، وبعد تقاعده ــ فى المركز متعدد التخصصات فى هرتسليا، نشر العديد من الكتب والمقالات حول تاريخ إسرائيل، بعضها يتناول جذور الصراع العربى الإسرائيلى و بعضها شهادات حول حرب السادس من أكتوبر من بين مؤلفاته: «تاريخ التطوع للجيش البريطاني»، «وطن جديد»، «جذور الزنبق»، «الشيوعية والنكبة»، «التاريخ والذاكرة والدعاية»، «التوقيت الفلسطينى «و» الاستنزاف الحرب المنسية».
- فى رأيى أن شهادة يوآف جيلبر كمحارب فى هذه الحرب و كخبير و قائد عسكرى إسرائيلى ذاق بنفسه مرارة الهزيمة، هى واحدة من شهادات عدة خرجت من داخل إسرائيل لا سيما من مؤسسة الجيش لتنسف كل الخيالات التى تروج لها إسرائيل ربما منذ وقف إطلاق النار بأن هذه الحرب خرجت لا فائز ولا مهزوم، سواء عبر التغريدات ثقيلة الظل التى ينشرها المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاى أدرعى كل عام فى هذه المناسبة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى المغالطات التى تعمدت إسرائيل منذ سنوات تمريرها لطلاب المدارس فى مناهجها الدراسية حول هذه الحرب، رغم أن الحقيقة كانت ولا تزال واضحة كالشمس فى عز النهار والعالم أجمع شهد ماذا حدث لإسرائيل فى هذه الحرب وكيف أثبتت الحرب للعالم أجمع قدرة المصريين على إنجاز عمل ملحمى بكل ما تحمله الكلمة، يستند إلى شجاعة القرار، ودقة الإعداد والتخطيط، وبسالة الأداء والتنفيذ، مما أكد للجميع أن الشعب المصرى ضرب أروع صور البطولة ووقف إلى جوار قواته المسلحة.
أخيرًا: صدق الرئيس الراحل محمد أنور السادات قائد الحرب وبطل السلام حين قال: إن التاريخ العسكرى سيتوقف طويلا بالفحص والدرس عند عملية السادس من أكتوبر 1973.