أبيض وإسود
ألقاب المدن لا تشتري من محلات بيع الأوسمة والنياشين، ولا تمنح لهم بقرارات سيادية، ولا توفرها حملات الدعاية علي السوشيال ميديا، وإنما تتكون حرف بحرف علي فترات زمنية كبيرة بفضل جهد وعرق سكانها وحسن إدارة القائمين علي مواردها.
ألقاب المدن محصلة لقصص النجاح والإبداع والمبادرات الفردية والعامة التي تشكل بالنهاية بورتريه فني يلخص حياتها الاجتماعية والاقتصادية، ينظر له الآخر -سواء زائر أو متابع - باعزاز ليصيح فيما يشبه المعجزة بلقبها ليتردد علي الألسنة، ويسبق اسمها الرسمي. لذلك يتفاخر الناس بالألقاب المستحقة لمدنهم، فالمنيا عروس الصعيد والمنصورة عروس الدلتا والاسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط والغردقة عروس البحر الأحمر، وأخيرا صارت مدينة العبور تحمل باستحقاق لقب عروس مدن المجتمعات العمرانية.
لا ينبغي التعامل مع لقب العبور الجديد بخفة، لأنه يعبر عن حقيقة تعكسها الأرقام ويجسدها الواقع المتميز الذي تعيش فيه المدينة في العام الأخير، فنحن أمام مدينة ناجحة بامتياز، وبالتالي فإن فهم نجاح هذه المدينة برأيي أمر فارق يساعدنا علي نشر التجربة للأخذ بيد المدن المتعثرة، كما أنه يحدد لنا بشكل حاسم الخط الفاصل بين التجمعات السكنية العشوائية التي تناهضها الدولة بوتيرة متسارعة وبجدية ملفتة، وبين التجمعات السكنية الراقية التي تستوعب الجميع من محدودي الدخل الي الأثرياء ورجال الصناعة وتوفر لهم كل الخدمات والمرافق وفرص العمل والاستثمار بعدالة ومساواة وكرامة.
عقب انتصار أكتوبر المجيد طرح الرئيس السادات "ورقة أكتوبر" في ١٩٧٤ التي تحدثت عن تنمية "الفراغات الاستراتيجية" بهدف رسم خريطة جديدة لمصر بالامتداد إلي الصحراء، بدأت الدولة -بعد وقت قصير-التخطيط للمدن الجديدة وبحلول عام ١٩٧٧ بدأ انشاء مدينة العاشر من رمضان كأول مدينة توصف بأنها من المجتمعات العمرانية الجديدة. بعدها أصبح إنشاء تلك المدن الجديدة جزءًا لا يتجزأ من السياسة القومية، وتم إنشاء "هيئة المجتمعات" فى 1979 بمقتضى قانون 59/1979 لتصبح السلطة الحكومية الرسمية التى تتولى تنمية تلك المدن، بهدف جذب السكان بعيدًا عن الشريط الضيق لوادي النيل وتوزيعهم بشكل أكثر توازنا فى المساحات الخالية فى مصر. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يُحدَد لكل مجتمع عمراني جديد عددًا مستهدفًا من السكان وفترة زمنية مستهدفة لاستيعابهم. ووفقا للقانون فإن تلك الهيئة هى المسؤولة عن بناء المدن الجديدة وتزويدها بالخدمات من قبيل المدارس والمستشفيات وربطها بشبكات المرافق. وما بين 1977 و1982 تم تخطيط سبع مدن جديدة، تم اعتبارها “الجيل الأول” من المدن الجديدة، وتكونت بشكل أساسي من مدن منفصلة لها قواعدها الاقتصادية المستقلة.ثم ظهرت العبور في ثمانينات القرن الماضي مدينة وليدة تحمل اسم نصر أكتوبر بقرار وزاري مع عدد من مدن الجيل الثاني شملت القاهرة الجديدة والشيخ زايد وبدر وبني سويف الجديدة والمنيا الجديدة والنوبارية الجديدة.
أكثر من أربعين عاما مرت علي انشاء عشرات المدن الجديدة من كافة الأجيال التي تتبع هيئة المجتمعات العمرانية، التي هدفت للخروج من وادي النيل الضيق وانشاء تجمعات جديدة توفر السكن للجميع وتفتح أبواب الاستثمارات الجديدة وتأوي الصناعات المختلفة لنقف أمام قصة فريدة اسمها العبور التي يتوجها الجميع بلقب عروس مدن المجتمعات العمرانية الجديدة. وهذا أمر لم يحدث بضربة حظ ولم يتم الحفاظ عليه بالروتين.
خلال أربعة عقود نمت العبور علي جيد القاهرة في خطوط متواصلة مع محافظات القليوبية والشرقية والاسماعيلية، بمساحة ١٦ ألف فدان. أنشأ بها في ١٩٩٦ أكبر سوق لتجارة الجملة في مصر علي مساحة ٣٠٠ فدان يمثل أكبر تجمع لتجار الخضروات والفواكه والأسماك يصل عددهم الي ٦٥٠٠ تاجرا يتعاملون بأكثر من ٣.٥ مليون طن قيمتها السوقية تتجاوز ٧ مليارات جنيه، ويحددون التسعيرة اليومية لكل الخضروات والفواكه والأسماك ويصدرون ما يفيض للأسواق الخارجية. ومع شهرة سوق العبور داخليا وخارجيا بزغت المنطقة الصناعية المجاورة له وأنشأت أخري جديدة كلاهما يضمان ١٦٠٠ مصنع تعمل في مختلف المجالات وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل باستثمارات تتجاوز ١٠ مليارات.
قدر ومصير العبور صاغه التجار والصناع معروفي الذكاء وسرعة البديهة والنشاط السريع ووافري الثروة وابناء الطبقة الوسطي من مهندسين واطباء وإعلاميين بارعين تخصصاتهم ومحدود دخل طامعون في حياة أفضل والذين تضافروا جميعا مع طموحات الدولة في إقامة مدينة متميزة، وهو ما جعل وتيرة نجاح المدينة متسارع مثل قطار اكسبريس، لكن ما تلي أحداث ٢٠١١ دفع المدينة للحافة، هدد الانجازات، مثلما حدث في أماكن كثيرة بمصر: مصانع تتوقف ، واستثمارات مترددة أو تفكر في الهروب، ومشروعات تتعثر، وفوضي تدب، وعشوائيات تنشب بمخالبها في جسد المدينة ، ومخالفات بناء، وبدأ رؤساء المدينة المتتاليين " قليلي الحيلة"، وصار تنمية الموارد ضرب من المستحيل.
مع الاستقرار الكبير الذي حققه الرئيس السيسي بدأت المدينة تتنفس الصعداء، عاد الأمن واستتبت الأمور، واسترجع الجميع الحماسة، وكل شئ كان يعاد تجديده من أجل ضخ العافية، عادت العجلة للدوران.
صدرت دراسة عام ٢٠١٦ تحت عنوان "سياسة المدن الجديدة في مصر أثر متواضع وعدالة غائبة" لمركز تضامن، وجهت انتقادات لهيئة المجتمعات العمرانية في الحصص الاستثمارية التي توزعها علي المدن الجديدة، معتمدة علي موقع الهيئة الرسمي الذي يقدم كمية الأموال التي تم انفاقها على كل مجتمع عمراني جديد منذ إقامته، مقسمة إلى بنود المرافق والخدمات والإسكان. وتظهر تلك البيانات أن بعض المجتمعات العمرانية الجديدة قد نالت الحصة الأكبر من الاستثمارات، ومنها أسيوط الجديدة والمنيا الجديدة وطيبة الجديدة، والتي تعد من الخمس مجتمعات العمرانية الجديدة التى حظيت بأعلى انفاق مخصص للفرد منذ إنشائها، من حيث الانفاق على المرافق والخدمات والإسكان. وقالت الدراسة إنه " لا يبدو أن ارتفاع معدلات الانفاق على هذه المدن مرتبط بنجاحها في جذب السكان، فبالرغم من تخصيص كل هذه الأموال لمدن أسيوط الجديدة والمنيا الجديدة وطيبة الجديدة، نجد أنها قد حققت معدلات بلغت 4% و6% و10% (بالترتيب) من التعداد السكاني المستهدف. وعلى الجانب الآخر، نجد أن مدينة العبور، رغم كونها أنجح المجتمعات العمرانية الجديدة بالنسبة لتحقيق تعداد السكان المستهدف (نسبة التعداد الفعلى إلى المستهدف 92%)، فإنها تحتل المرتبة الثالثة عشر فى نصيب الفرد من الانفاق على الخدمات، كما تحتل المركز السابع عشر فى نصيب الفرد من الانفاق على المرافق، بالمقارنة ببقية المجتمعات العمرانية الأخرى". كما رصدت الدراسة أنه " يبدو النجاح فى الوصول إلى تعداد السكان المستهدف منفصلًا بنفس الدرجة عن نصيب الفرد من الإنفاق على الإسكان كذلك، وليس المرافق والخدمات فقط. على سبيل المثال فإن مدينة العبور التى تحظى بنسبة نجاح مرتفعة (92%) فى الوصول إلى تعداد السكان المستهدف تحتل المرتبة الرابعة عشرة فى نصيب الفرد من الانفاق على الإسكان، فى الوقت الذى تحتل فيه مدينة المنيا الجديدة، الأقل نجاحا (6%) فى الوصول إلى عدد السكان المستهدف، المكانة الأولى فى نصيب الفرد من الإنفاق على الإسكان. ويلاحظ أن المدينتين قد تم إنشاؤهما فى فترات متقاربة، 1982 و1986 على التوالي".
وبمقدار ما أثارت هذه الدراسة المدعمة بالبيانات تساؤلات عدة. كان الأهم سؤال أعمق هو: هل حاولت هيئة المجتمعات فهم السر فى كون بعض المجتمعات العمرانية الجديدة نجحت أكثر من غيرها في تحقيق أهدافها؟ الإجابة أشرنا لها في قوة طبقة التجار والصناع بمدينة العبور تتضافر مع طموحات الدولة ومبادراتها وحرفية من يدير المدينة. لكن الهيئة احتاجت بعض الوقت لتصل للإجابة. واستلزم الأمر إدارة دولاب العمل بخدمات المدينة فقط مع تراجع للموارد وتراخي في المشروعات، حتي جاءت الإفاقة في فبراير الماضي، فبعد عدة أشهر من إشادة الرئيس عبد الفتاح السيسي برئيس مدينة أسوان الجديدة والمشرف علي مشروعات توشكي الجديدة المهندس أحمد رشاد الذي أظهر انضباط ونشاط غير عادي في تنفيذ المشروعات القومية الرائعة بأقصى جنوب مصر، استدعاه وزير الإسكان وكلفه برئاسة جهاز مدينة العبور التي وصل عدد سكانها إلي ٨٠٠ ألف نسمة، وهو الأمر الذي بدا كمهمة لإعادة الروح للمدينة.
في كتاب "الثروة العامة للمدن" لداج ديتر يقول إن " التركيز علي إدارة الأصول له عظيم الأثر في نجاح المدن، وفي الحقيقة فإننا نزعم بأن استخدام أصول المدن بشكل أفضل يمكن أن يؤدي إلي التمويل الذاتي لنهضة ملموسة في استثمار البني التحتية ؛ بل ربما يمكن أن تؤدي استراتيجية حكيمة في إدارة الأصول إلي زيادة دخل الأسرة زيادة كبيرة(...) وتخفيف الكثير من الأمراض الإجتماعية التي تصيب مدنا كثيرة جدا".. وهذا ما قام به المهندس أحمد رشاد لإحياء العبور في عدة أشهر فبكل احترافية واصل الليل بالنهار للقضاء علي المخالفات والعشوائيات بحملات يومية، وواصل تجميل المدينة وأدام بشكل مستدامة خدمات النظافة، واندفع في تنمية موارد الجهاز بشكل غير مسبوق، وتابع بشكل يومي المشروعات الاستثمارية من المستشفى العام الجديد الذي سيفتتح العام المقبل الي محطة الكهرباء الجديدة. الروح الجديدة أعادت النشاط للمصانع والمستثمرين، ولاقت استحسان الأهالي الذين وجدوا باب مكتبه مفتوحا لهم ولحل سريع لمشاكلهم. الان العبور عروس المدن، لكن الأهم استثمار قصة نجاحها ونجاح ادارتها في باقي المدن.
وللحديث بقية..