رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

ما بين فكرة الصداقة والتصالح مع البيئة، والعداء الصريح أو المستتر لها تتأرجح أحوال أبناء المعمورة شرقا وغربا.

وقد أثبتت الأحداث المعاصرة، وما شهدناه من صور التغيرات المناخية مدي تفاقم المعضلة البيئية، التي لن ينجو من آثارها وتداعياتها السلبية أحد، فالجميع في كوكب واحد وينتظرهم مصير مشترك ، مها حاولت بعض الدول التنصل من مسؤوليتها وتقديم بعض التعويضات عن تكلفة الإسراف في التصنيع الكثيف واستنزاف الموارد، ومضاعفة البصمة الكربونية، وتأجيج الحروب والصراعات بتداعياتها البيئية المؤلمة!.

وقد بدأت دول العالم الناشئة والساعية للنمو تضرب أخماسا في أسداسا جراء تأخر الدول الكبري في الوفاء بتعهداتها، علاوة علي ما يتردد من تدخل بعض الدول المغرضة والجهات الاستخبارية في توظيف بعض المحددات البيئية في صناعة موجات من "التسونامي" والفيضانات العارمة والأعاصير واستمطار السحب في أماكن ما وحجبها عن مناطق أخري!.
كما تداولت تقارير تؤكد أن هناك مراكز أبحاث متخصصة تضطلع بهذه المهام الخبيثة، التي تضمر العداء الصريح مع الإنسان ومع البيئة الطبيعية!.

ولاريب أن الصداقة البيئية تضمن التعايش الإيجابي والعمل علي صيانة كافة مكونات النظام البيئي، بما تتضمنه من اتجاهات مؤثرة، فاعلة نحو البيئة.
كما تضمن الحد الأدني من التعامل السوي المنصف الذي يحقق مبدأ التنمية المستدامة،
والبداية لتعزيز هذا السلوك الإيجابي منبعه الأصيل إرادة ورغبة الأفراد والجماعات وصولا إلي سياسات الدولة التي تراعي كافة الأبعاد البيئية بمختلف
مشروعاتها التنموية والخدمية.

ومن صور الداعمة للصداقة البيئة تعزيز استراتيجيات الترشيد بمختلف صورها والاستخدام المتوازن للموارد، وتقليل الاعتماد علي الطاقة الأحفورية، واتخاذ إجراءات عملية لدعم الشراكات الدولية والإقليمية لتعميم استخدام الطاقة المتجددة، وتوظيف تقنياتها، واستخدام المواد القابلة للتحلل الحيوي، والقابلة لإعادة التدوير، بالإضافة إلى التخلص الآمن من النفايات بكافة أنواعها، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية، والأنواع الحية، وتحقيق مبدأ الاستدامة.
وأتصور ضرورة الانتقال من مرحلة الأقوال والأمنيات إلي الأفعال والتنفيذ الفعلي في مختلف الميادين، والترويج لفكرة الاقتصاد الاخضر، واعتماد مؤشرات مجربة وموثوق بها لضمان أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة.

وعلي الجانب الآخر يبدو أن هناك من يستهين بهذه المخاوف البيئية المتصاعدة التي تهدد بفناء كوكب الأرض، ولا يلتفت كثيرا لآثارها ونتائجها المدمرة، بل هناك من بني البشر من لديه الاستعداد للتخلي عن إنسانيته وفطرته، لو تعارضت مع مصالحه!.

وعلي سبيل المثال لا الحصر فقد تمكن علماء أميركيون قبل عدة سنوات من بناء أكبر جهاز محاكاة للرياح في العالم، والذي يملك قدرة على توليد رياح وأعاصير تصل سرعتها إلى 157 ميلاً في الساعة (70 مترا/ ثانية)، أي ما يعادل إعصارا من الدرجة الخامسة!.
ويساعد التعمق أكثر في فهم علم الأعاصير على التنبؤ بالتغيّر المناخي، أو حتى إنقاذ الأرواح، ولكنّ الاقتراب من هذه الظواهر الطبيعية في نظامنا المناخي يعد أمراً محفوفاً بالمخاطر، وقد دفع هذا الأمر جامعة ميامي إلى إنفاق 45 مليون دولار أمريكي عام 2016 لإنشاء مختبر داخلي بمقدوره إحداث أعاصير تصل للدرجة الخامسة (وهي أعلى درجات الأعاصير، وترافقها رياح تتجاوز سرعتها 252 كم/ساعة).
أطلق علي المختبر اسم "سوستين" SUSTAIN ، حيث يتألف من خزانٍ بطول 23 متراً (75 قدماً) وبسعة 114.000 لترا (30.000 غالون) من الماء الاكريلي. ومروحة بقوة 1.700 حصان بخاري، ومولد أمواج بقوة 12 مجذافاً، وتقوم هذه المكوّنات مجتمعةً بخلق جميع حالات الأمواج والطقس.

وفي هذا السياق المؤلم فمنذ عدة أيام تداولت المواقع خبرا صادما عن مقتل 177 ناشطا بيئيا من "حراس الأرض" في عام 2022م بمختلف دول العالم، وهو مؤشر على التهديدات الخطيرة التى يواجهها "حراس الأرض"، كما كشف التقرير السنوى الذي أصدرته منظمة «جلوبال ويتنس» البريطانية غير الحكومية أن أمريكا اللاتينية تحملت العبء الأكبر من جرائم القتل، بما فى ذلك 39 جريمة قتل فى غابات الأمازون المطيرة الشاسعة التى تواجه دمارا واسع النطاق، فى وقت يكافح فيه العالم للحد من تغير المناخ.
كما أعلنت المنظمة ومقرها لندن أن كولومبيا كانت الدولة الأكثر خطورة بالنسبة لنشطاء البيئة مع 60 حالة وفاة، تليها البرازيل والمكسيك، وحذرت من أن أزمة المناخ المتفاقمة والطلب المتزايد، باستمرار، على السلع الزراعية والوقود والمعادن لن يؤديا إلا إلى تكثيف الضغط على البيئة، وعلى أولئك الذين يخاطرون بحياتهم للدفاع عنها. وذكرت المنظمة أنه فى الفترة بين 2012-2022، لقى 1910 من نشطاء البيئة حتفهم، أى ما يعادل عملية قتل كل يومين!.

وبينما تنادي جماعات صداقة البيئة بحماية البيئة الإنسانية ووقف هذا العدوان والتدهور المتصاعد، نعايش صورا مختلفة من صور الإرهاب والجرائم البيئية التي يمارسها بعض الأفراد والمنظمات وأحيانا الدول!.

ومما يدعونا للأسف أنه وفي عصر القوة وصراع الهيمنة والنفوذ هناك من، يطوعون العلوم العصرية المتطورة والتكنولوجيا فائقة الجودة لتحقيق أهداف خبيثة لها عشرات من الوجوه المظلمة والقبيحة.
وفي هذا الزخم الكبير لا يلتفت الكثيرون للأبعاد الإنسانية والأخلاقية،
وأحيانا يرتدي هؤلاء ثياب العلم وتكنولوجيا المستقبل لاخفاء أهداف الإرهاب البيئى التي تستهدف تدمير الموارد الطبيعية بهدف تحقيق أهداف سياسية، من خلال سلوك، أو مواقف متطرفة، وأحيانا استخدام العنف، والعمليات غير القانونية فيما يتعلق بالقضايا البيئية.

وقد بات ظاهرا للعيان من واقع المؤشرات والدلائل أن فاتورة حماية البيئة الإنسانية أمست باهظة التكاليف، دفعها مئات الآلاف من الأبرياء والبسطاء ضحايا الكوارث الطبيعية والمناخية، والجرائم البيئية المنظمة.
ورغم مرارة وقبح المشهد، فما يزال هناك بصيص أمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان وتعزيز الاستثمار البيئي والشراكات الأممية الفاعلة لتحقيق المعادلة الصعبة وفك طلاسم المعضلة البيئية.

وحتي كتابة هذه السطور يبدو أن الكفة تميل لأعداء البيئة بعد هذه النجاحات المشهودة، وحتي إشعار آخر ..
ويبقي نجاح حراس الأرض وأصدقاء الطبيعة في إنجاز مهامهم وتحقيق رسالتهم مرهونا بمدي القناعة الجماعية لأولي الأمر، وأصحاب القرار بالإستماع لصوت المنطق والحكمة، وتدشين استراتيجيات موازية وآليات عملية للخروج من هذا النفق المظلم.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة