الخط المستقيم
مازال الأشقاء فى ليبيا يئنون من آثار وتداعيات إعصار دانيال المدمر.. مازالت المحنة مستمرة.. وكل ساعة يتزايد عدد الضحايا.. وكل دقيقة تظهر حقائق جديدة مرعبة ومفزعة حول هذا الإعصار المدمر الذى فاجأ أهالى مدينة درنة المنكوبة بالشرق الليبى دون أدنى درجات الاستعداد والوقاية وتلافى الأضرار الرهيبة التى خلفها الإعصار وراءه.. أكثر من ٥٣ ألف قتيل وفقيد حتى هذه اللحظات وفقاً لتقارير الهلال الأحمر الليبى.. آلاف الجثث مازالت فى عرض البحر تنتظر من ينتشلها ويتعرف على ملامحها ويسلمها لأقاربها.. أكثر من ٠٥٢ ألف شخص فى المناطق المنكوبة يحتاجون لمساعدات عاجلة.
إنه إعصار أقرب إلى زلزال.. هكذا وصف مسئولون دوليون الأوضاع فى درنة.. قالوا إن آثار الخراب والدمار التى خلفها الإعصار تشبه إلى حد كبير آثار الزلازل المدمرة وآخرها ما حدث فى المغرب وتركيا.
العالم كله انتفض لإنقاذ ودعم الأشقاء فى الشرق الليبى.. وطبعا كانت مصر فى الصدارة.. انطلقت ٣ طائرات نقل عسكرية مصرية إلى ليبيا تحمل مساعدات إنسانية وطبية بالإضافة إلى فرق كاملة للبحث والانقاذ وسيارات إغاثة وفرق ومجموعات عمل متخصصة من الهلال الأحمر.. ولأول مرة فى تاريخ العسكرية العالمية تتحول حاملة طائرات عملاقة إلى مستشفى ميدانى.. هذا ما حدث فعلاً لحاملة الطائرات «الميسترال» التى أمر الرئيس بتجهيزها للعمل كمستشفى ميدانى لإنقاذ الضحايا وإغاثتهم وعلاجهم من أجل تخفيف الأعباء عن أشقائنا فى درنة وما حولها.
حكومة الوحدة الوطنية فى ليبيا قررت تخصيص ٠١ مليارات دينار ليبى «٢ مليار دولار» لدعم المناطق المتضررة بصفة عاجلة.. وفى مصر انتفضت الحكومة لمتابعة أحوال المصريين فى ليبيا.. التقارير تشير إلى نحو ٠٠٣ وفاة لمصريين هناك.. تم تسليم عدد كبير من جثامين المصريين وتم دفنهم فى مواطنهم الأصلية والمشهد الذى رأيناه فى بنى سويف عندما شارك الأهالى فى دفن أكثر من ٠٧ جثة فى قرية واحدة أدمى قلوبنا جميعا.. وزارة التضامن قررت صرف ٠٠١ ألف جنيه لكل متوفى بالإضافة إلى قرارات أخرى مثل إعفاء أبناء المتوفين من مصاريف المدارس وغيرها من الإجراءات الاجتماعية المعتادة فى وقت الأزمات والكوارث.
الكوارث طبيعية لا جدال فى ذلك.. وإعصار دانيال فيضان طبيعى ليس لأحد يد فى إندلاعه وانتشاره بكل هذه القوة الكاسحة المرعبة.. لكن ثمة عوامل بشرية ساهمت بصورة مباشرة فى تفاقم الكارثة وتضاعف خسائرها وضحاياها وتداعياتها المرعبة.
الانقسام الذى تعيشه ليبيا منذ سنوات وحالة الاختلاف والانشقاق فى صفوف القوى الوطنية والسياسية.. كل هذا ساهم بصورة مؤثرة فى تفاقم الآثار ومضاعفة عدد الضحايا.. هناك أيضا الفشل الإدارى والإهمال فى القيام بأعمال الصيانة الدورية خاصة للسدود والجسور.. وانهيار سدى أبومنصور ووادى درنة أكبر دليل على حجم الكارثة.. إنهيار السدين وعدم صمودهما أمام الفيضان ساهم بصورة كبيرة فى إحداث الخسائر والدمار والخراب بهذه الصورة المرعبة.. وأتمنى أن تسفر التحقيقات التى قررت الحكومة الليبية فتحها فى أسباب انهيار السدين عن الجانى الحقيقى وراء هذه الكارثة وتقديمه إلى محاكمة عاجلة للقصاص منه لدماء آلاف الشهداء.
وتبقى اللقطة الوحيدة المضيئة وسط هذا الظلام الدامس والخراب والدمار الشامل.. الطفلة الرضيعة التى عثر عليها رجال الانقاذ وسط أكوام الدمار والخراب.. طفلة لا يتجاوز عمرها أيام قليلة خرجت للحياة وتمسكت بالأمل فوهبها الله الحياة.. يبدو أن أمها وضعتها فى ساعة فوران البركان.. وتشير بعض التقارير إلى وفاة الأم أو فقدها.. لكن البنت الصغيرة مازالت حية وكأنها تتحدى الزلزال والإعصار بقدرة من يقول للشىء كن فيكون.
الريس حربى.. وداعا
فجأة وبدون مقدمات.. مات الريس حربى بيرم.. نائب رئيس تحرير الجمهورية وواحد من أشهر فرسان صحافة المحليات.. مات الرجل الشهم الجدع.. مات الصعيدى أبوقلب طيب.. مات كبير العيلة الذى ظل طوال حياته يتضاخر بهذا اللقب.. مات أبودم خفيف.. أبوضحكة حلوة..مات الريس حربى بيرم وفقدنا برحيله كل حاجة حلوة.. الجدعان يرحلون تباعا.. الحاج فاروق عبدالعزيز.. ثم الأستاذ محمد فتح الله.. ثم الأستاذ حسن الرشيدى.. واليوم يرحل الأستاذ حربى بيرم.. لم يمكث طويلاً فى فراش المرض.. ويبدو أنه بروحه القوية وتمسكه بالحياة قد انتصر على المرض مؤقتاً.. لكنه فارق الحياة سريعاً.. رحم الله الفقيد العزيز وأسكنه فسيح جناته.. وخالص العزاء لأسرته الصغيرة وأسرته الكبيرة «الجمهورية» وألهمنا جميعا الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.