رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

من مآسي العصر رغم ما أحرزته البشرية من تقدم تقني ومعرفي فائق ،فكرة أو ثقافة الخلط بين الدراسات العليا المعتمدة من مختلف الجامعات الرسمية أوالخاصة ،والدراسات الحرة،وأحيانا شهادات بئر السلم.
ومن المؤسف إيهام بعض الطامحين بأن هذه الدراسات والشهادات التدريبية هي الطريق الأسلم للمساواة مع الفائقين ،ومزاحمتهم في فرص العمل،ثم يكتشف الكثيرون الحقيقة المرة أن هذه الشهادات غير معتمدة على المستوى الدولي ،وفي أحيان كثيرة لدي الدول التي تحتضن هذه المؤسسات التدريبية المشبوهة،والتي تستهدف مجرد تحصيل أموال وأرباح متصاعدة،واللعب بطموحات هؤلاء المتوهمين!.

ولايختلف إثنان علي أن فكرة ارتباط كليات بعينها وبأعلي الدرجات في مواد معينة أو في المجموع بصفة عامة ، مرجعه الأساسي طبيعة هذه الكليات التي تتطلب استعدادا علميا وقدرات عقلية خاصة،علاوة علي القدرة علي اكتساب مهارات تؤهل وترشح أصحابها لتولي وظائف دقيقة تتعلق بصحة الإنسان ،ورفاهية وجودة حياته ماديا ومعنويا.

كما لا يختلف المنصفون علي أن هناك فارقا كبيرا ،وبونا ساشعا بين المؤسسات الرسمية أو الخاصة أو الأهلية المعتمدة وفقا لمعايير الجودة والتميز ومؤسسات التدريب والجامعات المشبوهة،فقد تحول التعليم إلي تجارة ،وحسابات مادية بحتة هدفها تحقيق مكاسب وأموال طائلة، علي حساب المردود والمنتج النهائي !.

وفي هذا السياق أعلنت مؤخرا بعض الجهات الترويج لدراسة الطب في ليبيا وفي جهات أخري "أون لاين"، بمجموع 50%، ولا يشترط القسم العلمي،فقسم الأدبي مسموح له أيضا بخوض هذه التجربة العبثية، وبمصاريف إدارية سنوية تقترب من ال 2300 دولار ،أي ما يزيد عن 80 ألف جنيه مصري، علاوة علي المصروفات الأخري.

كما أعلنت هذه الجهات عن برامج أقل نسبيا في التكلفة لدراسة طب الاسنان والهندسة والعلاج الطبيعي وأشياء أخرى!

ولا أدري ما محصلة خريج حاصل من جامعة مجهولة أو من مؤسسة تعليمية غير معتمدة ،وأي طبيب هذا الذي سيعالج الناس ويشفي أمراضهم وهو يعاني من نقص حاد في المؤهلات العلمية والمهارات الإكلينيكية التي يكتسبها من الممارسات الأكاديمية والتطبيقية من خلال التدريب العملي بالمستشفيات الجامعية ،ثم سنوات التدريب المكثف والامتياز،والزمالات المهنية وغيرها في رحلة علمية شاقة ومضنية.

ومما يحسب للنقابة العامة للأطباء تحذيراتها المستمرة ومساعيها للوقوف في وجه هذه الظاهرة ،حيث حذرت مرارا وتكرارا من وقوع البعض في براثن هذه المؤسسات ،كما أصدرت قرارات حاسمة بعدم قبول هؤلاء الخريجين ضمن أعضاء نقابة الأطباء ،وضرورة تقديم شهادة الثانوية العامة بمجموع لايقل عن مثيلاتها في كليات الجامعة الخاصة المعتمدة،وضرورة دراسة مواد الكيمياء والفيزياء والاحياء ،وعدم قبول خريجي القسم الأدبي بأي حال من الأحوال،مع اعتماد هذه الشهادات من المجلس الأعلي للجامعات، علاوة على ضوابط واشتراطات أخري للقضاء علي هذه الظاهرة التي تخل بمبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص والعدالة العلمية والمهنية.

وتجنبا للطرق الخلفية المفسدة لهيبة ومكانة التعليم العالي ، انطلاقا من دورها في استيعاب أبنائها فقد وضعت وزارة التعليم العالي جملة من القواعد التنظيمية لقبول الطلاب المصريين الراغبين في الالتحاق بالجامعة المصرية الأهلية والخاصة، وخاصة العائدين من أوكرانيا والسودان مع وضع جملة من القواعد واللوائح لمعادلة الشهادات القادمة من الخارج!.

الكثيرون يقعون فريسة شهادات بئر السلم، ويكتشفون بعد مرور الأوان أنهم حصلوا علي الوهم الزائفة ، مقابل ما دفعوه من دولارات ذهب أدراج الرياح قمنا لشهادات غير معتمدة ،بالبحث والتمحيص يتضح أنها مجرد برامج تدريبية لتحصيل أموال، ولا تقارن بأية صورة من الصور مع الجامعات والمعاهد الرسمية والخاصة المعتمدة،المستوفاه لكافةالإشتراطات العملية و التعليمية ،ولا تؤهل صاحبها لسوق العمل،أو إعداده بمجموعة المهارات والجدارات الوظيفية اللازمة لتخريج طبيب ماهر أو مهندس مبدع ،أو إعلامي ناجح ومؤثر..الخ.

اعتقد أن طغيان التوجه الرأسمالي هو ما خلق فكرة الاستهانة بالإعداد العلمي الجيد ،فهو مخطط مغرض لإفساد الأجيال القادمة، والقضاء الممنهج علي عناصر الإبداع والتميز.
وقد أمسينا في حاجة لترسيخ ثقافة التوعية
بإعادة اكتشاف الذات ،وتوظيف ما لدي طلاب الجامعة من استعدادات خاصة وذكاءات متعددة، وضرورة اختيار نوعية التعليم ،سواء كان علميا أو أدبيا أو فنيا ،بما يناسب الشخص، ويتوافق مع ميوله واتجاهاته وجدارات واحتياجات سوق العمل ومتطلبات وظائف المستقبل، وعدم التعلق بفكرة الطب والهندسة ، أو كليات بعينها وبدون استحقاق!.

والخلاصة أن طريق النجاح والتميز يتطلب إدراك تلك الحقائق للانطلاق نحو آفاق تعليمية عصرية متميزة، لا تقتصر على مجرد تحصيل الشهادات، بل لها حصاد مثمر وفعال!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة