فى السبعينيات كانت هناك فرقة غنائية من ثلاث فتيات لهن حظ كبير من القبول ويطلق عليهن الثلاثى المرح وكن يغنين لكل شىء جميل فى مصر.. للحياة وللحب وللأرض.. وللثلاثى المرح أغنية شهيرة ظهرت فى فيلم عن الأقصر مع رقصات فرقة رضا «غرام فى الكرنك».. وفى هذا الفيلم غنى الثلاثى المرح.. حلاوة شمسنا وخفة ضلنا.. الجنة فى أرضنا والحنة فى رملنا.
والجنة فى أرضنا قولاً وفعلاً.. والجنة فى أنحاء ريف مصر.. ريف السحر والخيال والتاريخ.. ومعالم مصر التاريخية لا تقتصر على الأهرامات والمعابد والتماثيل فقط.. مصر التاريخ مخزون هائل فى الريف المصرى الذى يحوى ويحتوى على سر الأرض.. سر البقاء والخلود. . وإذا كنا نبحث عن زيادة معدلات السياحة والسائحين فإن السياحة يجب أن تمتد إلى زيارة معالم الريف المصرى.. هناك تلعب الطبيعة دورها فى كتابة مشاهد مختلفة لقصة الأرض والفلاح.. قصة التقاليد والعادات.. قصة الطاحونة والساقية.. قصة الأرض التى هى فى كثير من الأحيان العرض والشرف.
وريف مصر يمثل ثروة سياحية هائلة إذا تمكنا من تحويل هذا الريف التقليدى إلى مزارات سياحية وإلى أسواق لبيع المنتجات الطازجة وإلى أماكن استرخاء واستمتاع بالطبيعة البكر التى لم تتغير عبر عدة قرون.. واذهبوا إلى دلتا مصر.. وصعيد مصر.. وطوفوا فى أنشاص ودهشور والقناطر الخيرية.. وتأملوا الجمال والبساطة.. وعيشوا أجواء من الاسترخاء والرجوع إلى الماضى.. وتخلصوا من كل هموم الدنيا مع ذكريات الزمن الجميل.. وكل ما يحتاجه ريف مصر لكى تكون الجنة فى أرضنا أن يعود الهدوء والصفاء.. أن تتوقف ضوضاء «التكاتك».. وأن تستعيد الشوارع عافيتها.. وأن تكون هناك أسواق شعبية مجهزة ومزودة بكل المنتجات الزراعية الطازجة.. وأن تكون هناك قناعة بأن الريف المصرى هو جزء من صناعة السياحة التى تمثل الصناعة النظيفة التى تدر عائداً لا مثيل له.. أعيدوا اكتشاف ريف مصر.. وكنوز مصر.
وبعد زلزال المغرب الذى أدمى قلوبنا فإن العلماء يتحدثون الآن عما يطلقون عليه «زلزال الفناء»، ويقولون إنه الزلزال الذى سيمزق القشرة الأرضية والذى ستكون قوته أعلى عشرات الدرجات من أى زلزال آخر شهده العالم..!
ولأن العلماء ليس فى مقدورهم التنبؤ بميعاد هذا الزلزال ولا أين سيقع على وجه التحديد فإننا لا نملك إلا الدعاء ونحمد الله أن علماءنا يؤكدون لنا أننا خارج حزام الزلازل وأيضاً نبعد كثيراً عن مناطق النشاط الزلزالى.. وقولوا يارب.
ونعود لدنيا الواقع.. وأحياناً ما تكون بعض الوقائع الصغيرة تعبيراً عن الروتين القاتل الذى لا يجدى معه قانون ولا عقل أيضاً..
ففى مركز السنطة بمحافظة الغربية وعلى الطريق المؤدى إلى الكوبرى الذى يربط طنطا بمركزى السنطة وزفتى فإن هناك مسجداً أقيم منذ أكثر من أربعين عاماً.. والمسجد تعرض لتصدعات استدعت إعادة التجديد، ورفع الأهالى مطلبهم إلى وزارة الأوقاف حيث استجاب الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف للطلب وبدأت الجهات المعنية فى الوزارة فى إجراءات التنفيذ وأسندت عملية التجديد لأحد المقاولين.. والمقاول ذهب إلى مجلس مدينة السنطة يطلب تصريحاً بأعمال التجديد للمسجد المقام منذ أربعين عاماً والذى أصبح من معالم الطريق.. ومجلس المدينة الذى يعلم مكان مسجد النور رفض أن يمنح المقاول الترخيص.. وليه يا مجلس.. اكتشفنا أن المسجد خارج الحيز العمرانى..!!
ولا تعليق.. فالمجلس وبعد أكثر من أربعين عاماً اكتشف أن المسجد خارج الحيز العمرانى.. يعنى لا تصريح.. ولا مسجد.. ولا رد بالموافقة أو بالرفض.. ولا تجديد ولا إصلاح ولا حتى هدم للمسجد..!!
والمدرسة الخاصة التى تصنف فى إطار المدارس الأجنبية والتى تتقاضى رسوماً دراسية بآلاف الآلاف بحجة أن كل مدرسيها من الأجانب، هذه المدرسة وجدت أن تكاليف وأجور المدرسين الأجانب أصبحت مرتفعة للغاية فى ظل ارتفاع قيمة الدولار واليورو.. وحلاً للمشكلة فقد تعاقدت مع مدرسين مصريين وحذرتهم من التحدث باللغة العربية مع الطلاب أو مع الأهالى.. تحدثوا معهم على أنكم «خواجات» ولا تعرفون شيئاً عن اللغة العربية.. والطلاب العفاريت «الخلابيص» كشفوا الملعوب.. وانطلقوا يتحدثون بسخرية عن المدرسين باللغة العربية ويستهزأون بهم أيضاً.. والشاطر يكشف عن حقيقته ويرد عليهم ولو رد فإن المدرسة هى من سيعاقبه وسيكون مصيره الفصل..!! واللعبة مستمرة وعلى المكشوف وبدون كسوف..!
وغزا الشعر الأبيض رأسه.. وارتدى أيضاً «الجلابية» البيضاء وأصبح فى نظر الناس «رجل بركة»، وبعد أن كانوا يتعاملون معه على أنه قيمة وقامة ومثار للإعجاب والخبرة أيضاً تحول إلى رجل بركة ووجوده فى المكان أصبح مقترناً بالحاجة إلى دعواته.. ادعى لنا يا بركة.. وبركاتك يا شيخ..! وأتانى يتعجب من الناس والمظاهر الخادعة والدور الجديد الذى يتقمصه فى الحياة أو الدور الذى أجبر على قبوله.. ولم أجد ما أقوله للرجل البركة.. ادعيلنا يا بركة، يمكن يبنوا لك مقام كمان..!
وأحكى لكم عن واقعة بطلها عملاق الأدب الروسى تولستوى.. وتصلح لكل زمان ومكان.. فذات يوم كان تولستوى يسير فى قريته عندما شاهد صبياً صغيراً ينهال ضرباً على ابن أحد عمال المزرعة التى كان يمتلكها والد تولستوى، وهو يقول له: كيف تجرؤ على أن تمد يدك القذرة إلى كرتى وتلعب بها؟!
عاد تولستوى إلى بيته متأثراً مما شاهده، وأمسك بقلمه ليكتب قصة الطفولة والتى كانت أول أعماله الأدبية وهو شاب لم يناهز بعد عامه الرابع والعشرين، كتب تولستوى يقول: «ما أقصى طبيعة البشر لقد كان طفلان أحدهما أعطته الحياة كل شىء، والثانى حرمته الحياة كل شىء، ولقد كانت هذه هى جريمته الوحيدة ومن أجلها استحق العقاب». وفى صباح اليوم التالى كان تولستوى يقف بجوار الصبى المحروم ويلعب معه بكرة جديدة اشتراها له.. ويا الله ما أروع أن تدخل السعادة فى قلوب المحرومين.
وأخيراً:
>> وازرع بداخل الناس ذكراً جميلاً فإن لم يكن حباً فليكن احتراماً.
>> وعموماً البستان الجميل لا يخلو من الأفاعى.
>> وتشيخ الأماكن عندما تفقد أصحابها.
>> وأولى لك أن تتألم لأجل الصدق ولا أن تكافأ لأجل الكذب.