الأمم غير المتحدة!
> فى الأسبوع الأخير من هذا الشهر تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الـ78 بمدينة نيويورك الأمريكية سيجتمع قادة الدول تحت مظلة المنظمة العجوز للحديث حول الواقع والمستقبل لدولهم وسط عالم يموج بالتحولات والتساؤلات التى تفرضها الظروف: لماذا فشلت الأمم المتحدة فى حل الأزمات العالمية؟ ولماذا لم تبذل المزيد من الجهد لإنهاء الحروب المشتعلة حالياً فى مناطق متفرقة من العالم؟ حيث يصعب تذكر وقت واجه فيه العالم مثل هذا العدد الهائل من الأزمات، فى الوقت الذى تقف فيه المنظمة التى يتمثل دورها فى التوسط لحل تلك المشكلات عاجزة تماماً عن القيام بدورها الذى تأسست من أجله وهو حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنع الحروب أو على الأقل تحجيمها لأقصى درجة.
> المنظمة الآن تزداد مهمتها صعوبة فى ظل تحولات دراماتيكية حدثت فى خارطة العالم وتوقعات بتحولات قادمة ستحدث فى ظل تنامى الصراع بين القوى الكبرى على الجغرافيا والمصالح، والنفوذ والموارد، فالولايات المتحدة تفكر فى محاصرة الصين، وملاعبة روسيا، وكبراء المجتمع الدولى لا يفسحون المجال للمنظمة لاتمام أى إنجاز، أو لعب أى دور فى إطار حرب الصفقات والمقايضات لتحقيق المكاسب، وعدم مراعاة مصالح ضعاف المجتمع الدولي، الذين يتحسسون خطاهم بحثاً موضع قدم يستطيعون منه مواجهة كوارثهم واستكمال معاركهم للبقاء.
> المأزق القادم للمنظمة تشير إليه توقعات باستفاقة جديدة للتنظيمات الإرهابية ودور متصاعد لتنظيمات بدأت تكتسب أشكالاً شبه رسمية أو على الأقل تنمو دون اكتراث كبار المنظمة الدولية فى حين تأخذ الصراعات على جانب آخر مناحى لا إنسانية بمحاولات تسييس الأزمات والجوائح فى غياب أى رؤية عالمية حول التحديات التى تطال الخصوم والمتصالحين معاً فى نفس الوقت، وتأثر على العالم كله.
> فى رأيى أن دور المنظمة الدولية المتراجع عاماً بعد عام يرتبط أولاً بالآلية البيروقراطية القديمة والمكررة التى تسير بها الأمم المتحدة وأجهزتها من 78 سنة فقد كان منح حق النقض «الفيتو» للدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن وهى الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، بمثابة وصفة للجمود وطريقة سهلة لأن تقضى المنظمة على نفسها بنفسها مع الزمن فالمنظمة التى قامت بالأساس على مجاملة المنتصرين فى الحرب العالمية الثانية لضمان مشاركة القوى الكبري، ولمنح المنظمة الوليدة وقتذاك فرصة للنجاح فيما فشلت فيه عصبة الأمم تغافلت عن أن هذه المجاملة «حق الفيتو» على تضييقه هكذا بالدول الخمس سيظل عقبة فى سبيل أداء المنظمة لدورها كما ينبغى فالآن هناك العديد من مشاريع القرارات لا تصل حتى إلى مرحلة التصويت، بسبب التهديد باستخدام الفيتو وعدم تعاون الدول الأعضاء على الاطلاق مع بعضها البعض، فالمنظمة عبارة عن كتلة من الأجزاء وعندما تعمل هذه الأجزاء ضد بعضها البعض فإن النتيجة الحتمية ستكون الجمود والعجز ناهيك عن نفس جداول الأعمال ونفس الاجتماعات التى تعلى الشكليات والبروتوكولات والمراسم دون النظر فى المضامين ونفس الافتتاحيات والخواتيم والتوصيات ولا أبالغ لو قلت على سبيل «النكتة» السياسية نفس ألوان «الكرافتات» لمندوبى الدول الخمس دائمى العضوية بمجلس الأمن.
> مع الأسف بقيت الأمم المتحدة عمراً طويلاً فى منطقة الشجب والمناشدات والتعبير عن قلق أمينها العام وغاب عنها أنها يجب أن تهتم أكثر بالإنسان عبر وضع ضوابط أخلاقية فى التعامل أو المواجهة، مع أى خطر حقيقى يهدد الإنسان فيما هو آت، فالبشر دائماً هم ضحايا الحروب والكوارث وضحايا السياسة أيضاً ولو كانت المنظمة ستعتمد على النص االنظرى للتأسيس بأنها منظمة دول لا أشخاص فأهم ركن من أركان قيام الدولة فى القانون الدولى هو الشعب « الناس» ليس من اللائق ونحن نعيش فى عصر اجتاحته العولمة والتحول الرقمى وأصبح أشبه بالقرية الكونية الصغيرة أن تترك المنظمة شعوب البلدان الفقيرة تعانى المرض أو الجوع أو الذل أو الخوف فأين إذاً السلم والأمن الدوليان؟!
> تحتاج المنظمة إلى وضع آليات جديدة محددة وملزمة لمعالجة الأزمات تقوم على العدل والانصاف، والمساواة وهى المصطلحات التى تقصر المنظمة التعامل معها على مفهومها النظرى فقط!
> يبدو أن النظام العالمى الجديد الذى بشر به انتهاء الحرب الباردة، قد مهد الطريق لاضطراب عالمى جديد وفى ظل التماهى الذى يكتسبه تدريجياً مصطلح المجتمع الدولى بسبب حالة السيولة السياسية فى العالم، فإن الأمم المتحدة كمنظمة تأسست فى منتصف القرن العشرين باتت عرضة إلى فقدان الصلاحية لكن اللوم الأساسى يقع على عاتق الدول الأعضاء «الأمم» نفسها التى هى أبعد عن أن تكون متحدة.
> أخيراً: إن لم تتدارك المنظمة الدولية أخطاءها فلا أبالغ لو قلت أن دورها سينتهى مع الوقت وقد يشهد العالم طرح منظمة بديلة تملك روح الشباب لإنقاذ هذا العالم.