من الألف إلى الياء
ستظل البسمة والفرحة الحقيقية مع حصاد الخير وقطف الثمار كتتويج عملي ومنحة ربانية ورزق طيب من واهب النعم والكرم لمن اجتهد وزرع، وقدم عملا إيجابيا نافعا لوطنه ولأهله، وأوقد شمعة أمل ، بدلا من لعن الظلام ،والانتظار لسنوات في صفوف الكسالي والمتفرجين.
وبالعودة قليلا لذاكرة تراث الوطن ،سنجد أن فكرة الاحتفاء بقطف الثمار والبهجة بالحصاد ، ليست جديدة فهي من الظواهر التراثية منذ عهود التاريخ الأولي إبان عهد الفراعنه ، وما تبعه من عصور وصولا للعصر الحديث.
وما يزال الاحتفال بحصاد المزروعات ،بقدوم الخير من المورثات الأصيلة
لأدبيات أهل المحروسة، ولعشرات السنين قبيل ،وبعد بدء الألفية الجديدة فقد كان موسمي جني القطن وحصاد القمح بمختلف القري بمثابة عيدين للبهجة وتجهيز العرائس وإقامة الأفراح ، موسم ينتظره الكبير والصغير لاتخاذ خطوات إيجابية في الحياة لتحقيق منافع وأهداف وسداد الديون وشراء الملابس ومستلزمات البيوت، والاستعداد للغرس الجديد ،وغيرها في أجواء من المرح والموده والتفاؤل.
ومع تطور الحياة وتعقدها ،اختفت بعض هذه المظاهر المبهجة ،لكنها في السنوات الأخيرة بدأت في العودة من جديد ، ربما تنتظر مزيدا من التطوير والإعداد الجيد ،وإخراجها في ثياب أنيقة وآليات عصرية تليق بأهل أرض الكنانة أصل الحضارة، ومنبع الخير والنماء،وأيضا توظيفها ماديا ومعنويا لتوفير فرص عمل وخدمة أهداف التنمية المستدامة.
ومن الظواهر المبهجة خلال الآونة الاخيرة والتي أسعدت قلوب المصريين تدشين مهرجانات جديده لمواسم الخير في العديد من المحافظات،ومن أمثلتها مهرجان المانجو بالاسماعيلية والسويس ،واحتفالات حصاد الزيتون بسيناء، والمشمش والجوافة بالقليوبية،مهرجان التمور بالوادي الجديد والذي شهد أطول سلسلة لعرض التمور تجاوزت ال3500 م، سجلت رسميا في موسوعة جينيس للأرقام القياسية، بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة ،هذا علاوة علي الاحتفالات الأهلية بجني القطن ،ومواسم حصاد القمح والأرز والذرة في مختلف المحافظات،والتي لم تتخذ بعد مظهرا احتفاليا منظما.
وجاء مهرجان المانجو بالإسماعيلية هذا العام من النماذج الناجحة لهذه المهرجانات ، والذي انطلقت نسخته الثانية باحتفاليات خاصة يومي 19،18 من شهر أغسطس الماضي ،حيث تزينت شوراع مدينة السحر والجمال بألوان من الفنون التراثية والشعبية.
كما شاركت فرق قصور الثقافة بعروض فنية ابهرت الحضور ،وقدمت فرق الفنون الاسماعيلية الشعبية تابلوهات فنية علي أنغام السمسية ،وشاركت فرقتا الشرقية للفنون الشعبية والتنورة التراثية بعروض مبدعة اضفت أجواء احتفالية بديعة.
وقد انطلقت فعاليات المهرجان بدفيليه انطلق من أمام مبني المحافظة القديم بشارع محمد علي ،ثم انتقلت الفعاليات والفرق الفنية لتستكمل بمسرح نادى الجولف ، مع حضور جماهيري غفير من أهالي وزوار الاسماعيلية وقيادات المحافظة وأعضاء مجلسى الشعب والشورى ،وبحضور 27 سفيرا من سفراء دول “جمهورية بنما، كندا، فنزويلا، الأوروجواي، شيلي، الأرجنتين، الإكوادور، كوبا، باراجواي، بيرو، أذربيجان، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، سيراليون، الصين، أستراليا، نيجيريا، نيبال، الفلبين، نيوزيلندا، أيرلاند، الأردن، الهند، بنجلاديش، أوزباكستان، والدومينيكان،علاوة على قنصلية الصين بالإسكندرية.
وكان من بين أهم أهداف المهرجان تنشيط السياحة بمدينة الإسماعيلية وتقديم عروض ترويجية خاصة لبيع المانجو بكافة أنواعها ،والتي شهدت محصولا وفيرا هذا العام.
ومن اللقطات المضيئة خلال إرسال الهدايا إلي بيوت رعاية الأيتام وكبار السن تحت شعار "في حب مصر".
وحول مهرجان العام الماضي بالإسماعيلية كتب سفير نيوزيلندا بالقاهرة "جريج لويس" تغريدة علي تويتر، قال فيها : "من الرائع دعوتك لتجربة مهرجان المانجو بمحافظة الإسماعيلية، مؤكدا أنها فرصة رائعة للاستمتاع بمجموعة كبيرة ومتنوعة من المانجو المصري اللذيذ، ووصف المانجو الاسماعيلاوي بأنها
"علاج صيفي لذيذ".
وقال السفير إن مصر ليست أم الدنيا فقط، بل هي أيضا "أم المانجو"، في إشارة إلى شغفه بهذه الفاكهة وقدرتها على تقريب المسافات بين الشعوب، إلى درجة أنها باتت سفيرا فوق العادة بين البلدين على حد قوله.
كما كتب السفير عدة تغريدات عن عشقه للمانجو المصرية، مشيرا إلي أنها تزيد عن 100 نوع بعد أن تذوق أنواعا مختلفة منها خلال زيارته لمحافظة الإسماعيلية.
وسرعان ما جرى تداول تغريدة السفير بين الحسابات الرسمية لسفراء عدد من الدول أجنبية بمصر، مسجلين إعجابهم الشديد بالمانجو التي وصفوها بـ "الأفضل في العالم".
وفيما يشبه "مظاهرة دبلوماسية" في حبها، تفاعل السفير الكندي لدى القاهرة، جيس داتون، مع تغريدة لويس، وكتب على حسابه في «تويتر» أنه يتطلع للحصول على هديته من المانجو، الملقبة بـ "ملكة الفواكه" في مصر، وهو طلب كرره أيضا السفير الاسترالي، جلين ماي، الذي أكد حبه الشديد لها خاصة من نوع "العويسي".
وقد أعرب أهالي الإسماعيلية عن سعادتهم الغامرة بردود الأفعال حول مهرجان المانجو،وأكدوا أنه فرصة للسياحة والتسوق والاستمتاع برؤية موكب أصناف المانجو الاسماعيلاوي.
أتصور أنه وفي عالم المتغيرات والأزمات الغذائية المتصاعدة ،فإن مثل هذه المهرجانات، علاوة علي أهميتها في تعزيز أواصر الشراكة والتعاون الدولي ،فهي ملتقيات ثمينة الفائدة لتشجيع السياحة ودعم الاستثمار الزراعي في مصر وفرصة للترويج للمشروعات الجديدة، وإقامة مهرجانات فنية وثقافية متنوعة.
وأقترح أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني دور فاعل في رعاية هذه المهرجانات ،ودعم المشروعات الزراعية الصغيرة،وتعزيز برامج الحماية والتكافل الاجتماعي وتقديم كافة أوجه الدعم المعنوي والمادي للأسر الفقيرة ومحدودي الدخل مع توزيع أطباق من الفاكهة ،ومن كافة منتجات مواسم الحصاد.
وأيضا لنا آمال عريضة تحيا بها المني أن نعثر علي ثلة من المخلصين من رجال الأعمال للمشاركة في هذه الفعاليات،بعيدا عن فكرة النفعية والتربح ومساندة كافة الجهود الشعبية والحكومية، من أجل رفعة وطننا الغالي.