معاً للمستقبل
تعويضهما إذا غابا عن الحياة..فهما نبع عطاء وحب فطرى خالص لا تحركه المصالح ولا تحكمه النوازع والأهواء.
أما الأم فهى نبع الحياة وروحها، ورمانة الميزان فى كل أسرة..من فقدها تجرع مرارة اليتم؛ فاليتيم الحق هو من فقد أمه.. بصيرتها بوصلة لا تخطيء طريقها، وحنانها يبنى نفوسًا سوية إذا شبع منها الأبناء..أما إذا فقدوها لموت أو انفصال زوجى فقد حرموا الخير كله.
وقد كانت أمى رحمها الله وجعلها فى الفردوس الأعلى من الجنة، مَدْرَسةً شاملة، تعلمت فيها مباديء الحياة بكل معانيها وقيمها..عرفت على يديها كيف أكون إنسانًا يعطى دون أن ينتظر الجزاء من أحد ..علّمتنى كيف أصنع أهدافى فى الحياة وكيف أسعى لتحقيقها بصبر وجهد وعرق دون كلل أو يأس ..كانت رغم أنها لا تجيد القراء والكتابة تملك من الوعى والفهم والإدراك ما يفوق قدرات خريجى الجامعات..لديها ذكاء اجتماعى فطرى تعرف كيف تنسج روابط الأسرة وتجمع شملها وتحافظ على تماسكها واستقرارها بأبسط الإمكانيات، وقد أكسبتنى الكثير والكثير من خبرات الحياة بوعى لا مثيل له فى نظري.
أمى رغم بساطة ثقافتها كانت تدير بيتها بانضباط شديد، وتدبر احتياجاته بأبسط الإمكانيات كأفضل وزير مالية واقتصاد فى العالم فلا تجد فيه نقًصًا ولا تشعر فيه باحتياج..كانت حسنة الطباع والأخلاق كجمال زمانها الذى نفتقده هذه الأيام.
كنتُ، رغم ضعف راتب والدى الموظف البسيط كأغلب أهل زمانه، لا أشعر مطلقا بأى نقص فى احتياجات بيتنا، فكل ما نحتاجه من الضروريات موجود بفضل حسن تدبيرها.. وحين أتممت دراستى الإعدادية ومن بعدها «الثانوية العامة» فى الزقازيق ثم انتقلت بعدها لدراسة الإعلام بجامعة القاهرة كانت توفر لى كل ما أحتاجه من طعام وشراب..وكانت تقتطع من قوت أسرتنا حتى تكفينى مؤن العيش الكريم.
تعلمت من أمى ما لم أتعلمه فى الكتب والمدارس، تعلمت منها كيف أختار أصدقائى بعناية؛ فالمرء على دين خليله، والجليس الصالح كحامل المسك، إما أن تبتاع منه، أو تشم رائحة طيبة..أما صديق السوء فهو كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك أو تشم منه رائحة خبيثة..وقد أظهرت أمى حرصًا كبير على حسن اختيارى للأصدقاء؛ فأصدقاء السوء هم أقصر الطرق للانحراف وسوء الأخلاق والضياع..وكم من صديق كان وبالًا على صاحبه ..هكذا تعلمت من أمى وهكذا كانت ككثير من أمهات ذلك الزمن الذى عشنا فيه أيامًا حلوة، فيها دفء الأسرة ولمة العيلة، واحترام الكبير والرحمة بالصغير.
كانت أمى مدرسة وجامعة بل كانت الحياة كلها..تسدى النصح الجميل دون أن أطلبه، ترقب تصرفاتى من بعيد وتتدخل فى الوقت المناسب بخبرتها ورجاحة عقلها لتصحيح المسار بإقناع وحوار لا إحراج فيه ولا إكراه..لم نشعر أنها قيد على تصرفاتنا، ولا هى رقيب على أعمالنا.. لم تكن تنشغل عنا بسوشيال ميديا غرقت فيها الأمهات بحثًا عن التريند البئيس.. ولا انشغلت عنا حتى بثرثرة عابرة مع جيرانها رغم حميمية العلاقات بين جيران هذا الزمان.. بل كنا، إنا وإخوتي، مبتداها ومنتهاها وغايتها..كنا رسالتها التى جاءت الحياة لأجل إتمامها على أفضل وجه..لم نشعر أننا عبء عليها رغم أننا كنا أكبر الأعباء..كان حبها لنا أكبر من أى مشقة أو تعب..تعطى عطاء من لا ينتظر الجزاء والشكر..كنا جزءًا من روحها..وكانت هى كل حياتنا.
كان حلم أمى هو مستقبل أولادها ورعايتهم والوصول بهم لبر الأمان..كانت تسهر معى الليالي، تؤنسنى وتشجعنى أثناء المذاكرة على مصابيح «كيروسين» أو «غاز» فلم تكن قريتنا «بيشة قايد» بالشرقية تعرف الكهرباء..هكذا تربينا فى بيت تعرف الأم معنى التربية ويعرف الأب مقتضيات الأبوة والرجولة.
من منا يستطيع أن يوفّى أمه أو أباه حقهما؛ فحق الوالدين عظيم ، حتى إن الله عز وجل قرنه بحقه فى آيات كثيرة ، يقول الله عز وجل : «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا» (النساء: 36) ، ويقول أيضًا : «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا « (الإسراء:23 ) ، ويقول سبحانه وتعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله فى عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير» ( لقمان :14 ).
أما الأب فكان قدوة حسنة تمشى على قدمين، ورغم تعبه فى العمل ليوفر لنا ما نحتاج إليه، فقد كان حريصًا على صلة الرحم، والعطف على المساكين والفقراء، ولا أنسى له أبدًا ما فعله فى إحدى ليالى رمضان الفضيل حين دخل علينا وفى صحبته رجل «مبروك» هكذا كانوا يلقبونه وقتها..ليجلسه معنا على «الطبلية» (وهى مائدة أهل الريف) ليتناول معنا طعام الإفطار..و كان هذا درسًا بليغًا تعلمناه من أبى وأمي، درسًا أصدق من ألف وعظ وألف نصيحة، تعلمنا بصورة عملية كيف نجعل للفقراء والمساكين نصيباً من طعامنا ورزقنا الذى ساقه الله إلينا..كان أبى إذا وعد أوفى وإذا تحدث صدق القول ..كما علمنا ألا ننظر لما فى أيدى الآخرين، عملاً بقوله تعالي: « وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (طه: 131).
ورغم أن عائلتنا لم تكن من الأغنياء فإننى لم أعرف أن أبى استدان يومًا من أحد، فمرتبه من وظيفته، وما يمتلكه من أرض قليلة، كان يكفينا ويزيد، ولم يتأخر يومًا عن إخراج زكاته.
وقد تعلمت من أبى وأمى العدل بين الأبناء، لأنهما كانا يعدلان بين الأبناء ليس فى العطاء المادى فحسب بل حتى فى الجانب النفسى وما يستلزمه من عطف وحنان، وكانت الأولوية للبنت دائمًا وفى الحدود المتاحة، خلافاً لما كان سائدًا من التحيز للذكور خصوصًا فى المجتمعات الريفية.
ومن ثم كان طبيعيًا أن ننشأ على بر الوالدين الذى بات فريضة غائبة يغفل عنها كثير من أبناء هذا الزمان، لا لشيء إلا أن الوالدين مشغولان طيلة الوقت بمتاعب الحياة وغواية التكنولوجيا التى أضاعت روح الترابط الأسرى فلم يجدا وقتاً يعلمان فيه أبناءهما شيئًا من دينهما، أو ربما تشاغلا هما عن والديهما بالأساس فنشأ أبناؤهما على الجحود غافلين عن قاعدة أصيلة مفادها أن البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت..والأدهى والأمرّ أننا أصبحنا نرى أشياء عجيبة طرأت على الأسر والبيوت التى يتواصل أفرادها أحيانًا مع بعضهم البعض، عبر الهاتف رغم وجودهم فى منزل واحد ، عبر موقع التواصل الاجتماعي، فتجد الأم تطمئن على ابنها ب»لايك «على الفيس بوك، ويرد عليها الابن ب»كومنت» على أحد المنشورات..فى زمن السوشيال ميديا بات القريب بعيدًا والبعيد قريباً..واختفت الحميمية فى العلاقات وضاعت فى زحمة الدروب كثير من معانى الحياة والقيم النبيلة.
بر الوالدين يشمل الإنفاق عليهما عند الحاجة ، والسمع والطاعة لهما فى المعروف ، وخفض الجناح لهما ، وعدم رفع الصوت عليهما ، ومخاطبتهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، كما قال الله عز وجل: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيراً» ( الإسراء : 23 ، 24).
تعلمنا فى مدارس حكومية ..وكنا نستذكر دروسنا ليل نهار دون دروس خصوصية ولا مجموعات ولا سناتر باتت تستنزف ميزانية الأسر بلا رحمة هذه الأيام..كانت المدرسة مدرسة بكل معانيها ..وكان المدرس معلمًا بكل ما تعنى الكلمة من فضائل وخصال..وكنا ننظر إلى الغياب من المدرسة على أنه «نقيصة» تشين صاحبها..وكانت للمدرسة أدوار لا تتخلف عن أدائها، كانت مكاناً للأنشطة الترفيهية ..فيها الموسيقى والألعاب والاقتصاد المنزلى ..وكنا نستعد للعام الدراسى فى الصيف قبل أن يبدأ ..وكنا نذاكر صيفًا وشتاءً..ولم تكن هناك حفلات صخب ومجون وكانت قمة الترويح عن النفس فى حصة ألعاب أو موسيقى وغناء.
كانت الحياة جميلة، وكان فيها متسع للسفر والترحال؛ حتى أن بعضنا كان يسافر صيفًا للعمل بالخارج (أوروبا) أثناء الأجازة الدراسية الطويلة، ليكسب شيئًا يستعين به على تعليمه، دون أن ننسى انتماءنا للوطن واحترامنا الكبير له؛ فقد كانت تربيتنا على القدوة الحسنة والمُثل العليا راسخة فى النفوس ونشأتنا متينة الأساس والبنيان .
كنا فى الريف نتعلم فى «كتَّاب القرية» الذى كان ملاذاً لكل أبنائها، سواء التحقوا بالمدرسة أو لم يلتحقوا، تعلمنا كتابة حروف الهجاء على «اللوح»، وطريقة نطقها الصحيح..وتخرج فى «الكتَّاب» والمدارس الحكومية علماء أفذاذ يشار لهم بالبنان فى كل الدنيا..وهو ما يجعلنا نرجو عودة الدور التربوى لمدارسنا وللأسرة حتى تقوم بواجبها نحو الأبناء لينشأوا مواطنين صالحين يبنون وطنه ويذودون عنه بوعي، وإيمان لا يتزعزع.
نتمنى أن تعود مؤسساتنا التربوية والتعليمية لدورها الأصيل ليتخرج فى الجامعة طبيب صالح ومهندس صالح ومعلم فاضل وليس مدرسًا كل همه جمع المال من الدروس الخصوصية وجيب المواطن..نتمى أن تعود الروح لحياتنا وعلاقاتنا وتسترد الأسرة عافيتها فى زمن الخرس الزوجى رغم الضجيج الإلكتروني.