من الألف إلى الياء
شاء من شاء وأبي من أبي فإن العالم يتشكل ويرتدي ثيابا بمواصفات مغايرة،ولم يعد هناك أية مؤشرات للتردد نحو تدشين ملامح لعالم متعدد الأقطاب والتكتلات، تحكمه قوانين أممية تسمح بصعود قوي سياسية واقتصادية،وتسهم في تشكيل ملامح خريطة النظام العالمي الجديد.
ولا ريب أن التجارب المريرة للدول الناشئة والساعية للنمو تدعم هذا الاتجاه وتضفي عليه نوعا من الشرعية الغائبة المدعومة بتطلعات الشعوب للتحرر من الهيمنة الامريكية والغربية المطلقة، ومغادرة صفوف المتفرجين إلي مصاف المبادرين الفاعلين!.
ولعل الأزمات المتلاحقة التي عانت منها دول العالم ، وتأثيراتها السلبية أمست مسوغا استراتيجيا دافعا نحو التحرر من قبضة الدولار وسيطرة الاقتصاد الغربي علي حركة التجارة العالمية شرقا وغربا فلم تنج من براثن تلك الأزمات والنكبات وتأثيراتها الموجعة سوي الولايات المتحدة الأمريكية ، ودول الغرب التي اعتادت التكيف والتعايش مع هذه الملمات ،وتحميل فاتورة التكلفة الباهظة لشعوب العالم الثاني والثالث، ولا عزاء للإنسان وقيمه وأدبياته في عالم تحكمه سلطة المال ونفوذ المصالح والتوازنات.
ومابين التحديات والطموحات تتطلع شعوب دول بريكس لتدشين عالم جديد متعدد الرؤي والتكتلات والأقطاب.
وقد تابع العالم منذ أيام بشغف وترقي فعاليات القمة الخامسة عشر لتجمع دول "بريكس"،والتي تضم روسيا ، والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وقد حبست الأنفاس لمعرفة ما ستسفر عليه أعمال ونتائج وتوصيات مباحثات القمة.
وأعلن المجتمعون أنهم يعملون جاهدين لمواجهة كافة التحديات المزمنة والمستجدة ،والسعي الجلد للتوسع وضم دول دول جديدة وفي مقدمتهم ارض الكنانة،
علاوة علي تفعيل الشراكات لاستراتيجية ،وبدء التداول بالعملات المحلية للدول الأعضاء..والاستغناء التدريجي عن الدولار.
وأيضا بحث تطوير التعاون مع القارة السمراء ،حيث عقدت القمة تحت عنوان: "بريكس وإفريقيا: شراكة من أجل النمو المتسارع والتنمية المستدامة والعمل الشامل متعدد الأطراف".
كما أعلنت القمة أن الأزمات السياسية الأممية المتلاحقة ،وعلي رأسها الأزمة الروسية الأوكرانية كشفت مدي ضعف ومحدودية مجلس الأمن الدولي، وضعف نفوذ الكثير من الهيئات الدولية مع استمرار السياسات الغربية المزدوجة وتغييب معايير العدالة وحقوق الإنسان ،واستمراء منطق الإلهاء الأممي والتمييز العنصري والكيل بمكيالين !.
وقد أثلج الصدور دعوة مصر للانضمام للمجموعة مع دول أخري إعتبارا من بداية عام 2024، وأتصور أن هذا التوجه للتوسع في زيادة الدول الأعضاء ،ودعم هذا الكيان الاقتصادي والسياسي يحمل عشرات المؤشرات والدلائل والرسائل لمن يهمه الأمر شرقا وغربا.
وتسعى مجموعة "بريكس"لخلق حالة من الندية والمناطحة والمنافسة بكافة السبل المشروعة ،تقابل رغبة أمريكا في الهيمنة.
ومنذ تأسيسها في 2009، تسعى الدول الأعضاء فيها، ولا سيما روسيا والصين، إلى تطوير نموذج اقتصادي جديد ينهي هيمنة القطب الواحد، ويفتح الباب أمام استراتيجية اقتصادية جديدة متعددة الأقطاب.
وعلي المستوي المحلي كل المؤشرات تؤكد أن إنضمام مصر لمجموعة "البريكس" له مجموعة من المزايا ،من بينها تقليل هيمنة الدولار الأمريكي علي التجارة العالمية، وفرصة ذهبية لخروج مصر من معضلاتها الاقتصادية ،التي خلفتها الأزمات الدولية المتتالية بسبب مشكلات العملة الصعبة ، وارتفاع أسعار الطاقة، المواد الغذائية.
كما أنها بداية لتدشين انطلاقة تنموية جديدة،علاوة علي زيادة فرص التبادل التجاري بين الدول المشاركة وخلق تحالفات إقتصادية كبيرة ربما تحدث تغيرات عالمية، قد تنعكس نتائجها بصورة إيجابية علي مختلف دول العالم وعلي رأسهم أعضاء المجموعة.
ووفقا للغة الأرقام وحسب الإحصائيات، فإن مجموعة البريكس لها أهمية خاصة ،نظرا لما تمثله الخمس دول من قوة اقتصادية وسكانية ومساحة ، فالمجموعة تتحكم في أكثر من 31% من اقتصاد العالم ضمن الناتج المحلي للدول وهو رقم ضخم جدا، إضافة لثروة بشرية من سكان العالم يتخطى الـ 24%، فضلاً عن حوالي 19.5% من تجارة العالم في الخمس دول، لذا فهو تكتل اقتصادي له وزن ومكانة أممية مشهودة ، وعليه فقد قدمت 32 دولة رسمياً للالتحاق بالمجموعة.
كما كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، إرتفاع قيمة الصادرات المصرية لدول مجموعة البريكس لتسجل 4.9 مليار دولار خلال عام 2022 مقابل 4.6 مليار خلال عام 2021، وبلغت قيمة الواردات المصرية من دول مجموعة البريكس 26.4 مليار دولار خلال عام 2022 مقابل 23.6 مليار خلال عام 2021، بينما ارتفع قيمة التبادل التجاري بين مصر ودول مجموعة البريكس لتصل إلى 31.2 مليار دولار خلال عام 2022 مقابل 28.3 مليار دولار خلال عام 2021 بنسبة ارتفاع قدرها 10.5%.
كما بلغت قيمة استثمارات دول مجموعة البريكس في مصر 891.2 مليون دولار خلال العام المالي 2021 / 2022 مقابل 610.9 مليون دولار خلال العام المالي 2020 / 2021 بنسبة ارتفاع قدرها 45.9%.
وقد سبق هذه الخطوة إجراءات تمهيدية فقد انضمت مصر رسميا لبنك التنمية "بريكس"
وحدد الخبراء مجموعة من الفوائد ستجنيها القاهرة، منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو مرتبط بطبيعة المرحلة الحالية التي يمر بها العالم.
وقد أشار الخبير الاقتصادي د.رشاد عبده، في إحدي تصريحاته الصحفية إلي أن نجاح مصر في الانضمام إلى بنك التنمية الجديد الخاص بتجمع "بريكس"، يمثل نجاحاً جديداً لجهود الدبلوماسية الاقتصادية المصرية، وسيسهم في تحقيق أهدافها التنموية والاقتصادية، وتعزيز علاقاتها مع دول التحالف.
ومن هذه الفوائد:
- توفير قنوات تمويلية وتعزيز ثقة المجتمع الدولي، ومؤسساته التمويلية، فضلاً عن هيئات التصنيف الائتماني في الاقتصاد المصري.
- إنجاح خطط التنمية المستدامة ضمن رؤية مصر 2030 و2063، فضلاً عن تشجيع التجارة وزيادة الصادرات.
- تجنب المنطق الأمريكي المتعالي ،وتحقيق فكرة اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب بصورة عملية ،فالتجمع الجديد لبنة لزيادة حجم التعاون الاقتصادي بين دول المجموعة، ستضاهي التكتلات الغربية وستسهم في إزالة هيمنتها، ولو بصورة تدريجية.
- الاستفادة بمجموعة من التسهيلات، والامتيازات أبرزها، المنح والقروض المُيسرة بفوائد مخفضة، بجانب الاستفادة من والتمويلات الاستثمارية"،ومن الخبرات الاقتصادية للدول المشاركة، وخاصة الدول الكبري كالصين وروسيا والهند.
ويبقي المستقبل مرهونا لدي "بريكس" في إيجاد مخططات استراتيجية متوازنة وآليات عملية وفاعلة لدفع عجلة التنمية بين الدول الأعضاء، وتجنب التغيير الفجائي، والإسهام بصورة عملية في تحقيق التنمية المتواصلة ،وفي تعزير برامج الإصلاح بعيدا عن فكرة الأمنيات والتطلعات اللامحدودة، وأعتقد أن الدور العربي بما يملكه من مقدرات وسياسات متوازنة سيشكل قوة دافعة وقادرة علي التأتير لإنجاح هذا التوجه..وإنا لمنتظرون!!