إلى الأمام
وهى التطبيقات التى يتصارع العالم على امتلاكها ويعمل على تطويرها بكل السبل حتى تستمر لهم ميزة الهيمنة والسيطرة على الفضاء الالكترونى وتوجيه الاحداث أو على الاقل إحداث تأثير من نوع ما لتحقيق اغراض واهداف ليست بريئة اعلاميا أو اقتصاديا أو ثقافيا وسياسيا بالدرجة الاولي..
لا ابالغ اذا قلت ان محرك البحث جوجل وهو الاشهر والاقوى عالميا أصبح يهيمن على فكر وعقل الكثيرين من الباحثين عن المعرقة وخاصة الدينية إلى جانب الاحداث والوقائع اليومية وانه الاقرب إلى اصابع من يستخدمون النت والاسهل إلى دخوله والمسيطر على العقول والافهام عند البحث عن معلومة أو التاكد منها ومعرفة التاريخ والتفاصيل وما إلى ذلك.. بل ان الكثيرين يلجأون إليه فى الحصول على الفتاوى وأصبح الاسرع والاسهل فى ضخ مئات بل آلاف الفتاوى عن الموضوع الواحد ولا يهم مكررة أو غير مكررة أو حتى متضاربة أو متناقضة فهو لا يهتم فى الاساس بصحة المعلومات أو فلترة الصحيح من الغث الا فيما ندر ولاسباب فى نفس يعقوب.. وبلغ من الشهرة إلى الحد الذى اكسبه اللقب الشهير الشيخ جوجل ..
فضلا عن انه انشأ موقعا متخصصا اطلق عليه اسأل الشيخ جوجل وقد تعامل البعض معه احيانا من باب الفكاهة واللطافة والاستظراف أو من باب الاختبار ومعرفة ما يجرى أو من باب الحصول فعلا على اجابات مفتوحة الخيارات على كل الابواب من كل الملل والنحل وهو ما يفتح أبواب جهنم للعبث بالعقول عند اغراقها فى سيول متلاطمة من الاقوال المتعارضة والمتضاربة للفرق والمذاهب واحيانا العقائد الاخري.
قد يبادر البعض إلى القول وما العيب فى ذلك ؟ بل على العكس انه يقدم خدمة سهلة وسريعة للمتعجلين وغيرهم من هواة ثقافة الساندوتشات السريعة حتى فى وسائل الاعلام المختلفة؟
والحقيقة ان مثل هذه الاقوال قد يكون لها وجاهتها ويمكن استحسانها ايضا لو كانت البيئة طبيعية أو بريئة أو تتبع منهجا علميا خالصا بعيدا عن أية الاعيب أو اهداف أو عمليات استغلال أو تسخير وتوظيف لتلك الوسائل فى تحقيق اهداف واغراض مشبوهة بل ومعلومة فى مواقفها من الاسلام كدين وعقيدة ومن المسلمين كاتباع اخر دين سماوي.. وهذه مسائل لا تحتاج إلى اقامة حجة أو تقديم ادلة وبراهين..
يعزز من تلك المصائب للاسف الشديد الضعف الشديد للوجود الاسلامى على النت والفضاء الالكترونى بصفة عامة فهو بحسب تقديرات للامم المتحدة لم يتجاوز 3.5٪ وهو ما لا يتناسب وحجم ودور الثقافة الاسلامية ولا الوجود الاسلامى الديموجرافى على الخريطة العالمية ولا حجم القضايا الاسلامية على الساحة.. وهذه جريمة كبرى يرتكبها المسلمون فى حق انفسهم وثقافتهم ودينهم..
حتى الوجود الاسلامى فى أغلبه اكتفى بوضع النصوص والاصول المختلفة لكتب التراث والتفاسير والسيرة النبوية والادب ودواوين الشعر وغيرها من مواد دون تقديم خدمة حقيقية لها ومعها للقارئ فى القرن الواحد والعشرين وأصحاب الثقافات الضحلة والهشة والمستعجلين والمشككين وغيرهم وهو الامر الذى سهل مهمة المغرضين والمتطاولين واصحاب مدارس ومناهج الهدم والتخلص من التراث ليس فقط الانتاج الادبى بل بلغ التطاول الى محاولات للعبث فى القران والدعوة إلى تغيير بعض الآيات بحسب زعمهم حتى تناسب هواهم ولا تقف حجر عثرة امام طموحاتهم وحملاتهم فى النيل من الاسلام..
نقطة اخرى بالغة الاهمية ان المسلمين لم يحسنوا حتى الآن التعامل مع الفضاء الالكترونى ولا ادواته ولم ينتبهوا الى خطورته الا مؤخرا .. إلا بعد ان وقعت الفاس فى الرأس كما يقولون .. فبدأت صحوة أو يقظة على استحياء بمواقع فردية أو مؤسسات صغرى اما العمل المؤسسى الجاد فلم يظهر بوضوح الا قليلا وليس بالصورة التى تؤهله للمنافسة مع هوامير التكنولوجيا على الفضاء الالكترونى والتى لحق بها مؤخرا غول الذكاء الاصطناعي..
هنا يطرح البعض اسئلة مهمة فى مقدمتها الم يكن المسلمون على ادراك بما يحدث وخطورته عليهم وتأثيره على الشباب .
الجواب: لقد كانوا مدركين ومتنبهين إلى كل ذلك وبالفعل بدأوا يتخذون خطوات فى حينها ولكن كالعادة ومع المشروعات المهمة قوميا ودينيا سرعان ما تتعطل أو تتوقف أو يتم وأدها فى المهد.
وكم من مرة ظهرت محاولات لتقديم بدائل اسلامية على الساحة سواء فى التطبيقات أو البرامج ولكنها كانت تمشى الهوينى وسرعان ما تتوقف.. على سبيل المثال محاولات لتقديم محرك بحث اسلامى يكون بديلا او منافسا لجوجل ومحركات البحث الاخرى ولكنها كانت ضعيفة وغير قادرة على الاستمرار.. وذلك لانها اما انشئت على عجل بدون دراسات كافية أو دون اعداد كوادر علمية أو حتى دون توفير تمويل كاف لمشروع مهم وحساس.. أو لان بعضها حاول تقليد ما هو موجود على الساحة واعتمد على تقديم ترجمة عربية لما يجرى فقط أو انه اشترى بعض البرامج من تلك الشركات المهيمنة تجاريا على محركات البحث.. وهناك نماذج على ذلك فى جامعات ومؤسسات كانت مؤمنة بفكرة البديل الاسلامى ومتحمسة لها.. وبعضها اقتصر على محركات خاصة للبحوث العلمية فقط ؟؟
ومؤخرا اعلن عن محرك بحث اسمه حلال جوجلين اطلقته شركة هولندية قيل انه يناسب الشعب الاسلامي.. ولكنه مصاب بالداء نفسه الذى ضرب التجارب السابقة عليه اذ يعتمد فى جلب جميع بحوثه من محركى البحث جوجل وبينج .. ثم يقوم بعملية تطهير ان صح التعبير واخلاء جميع البحوث من الصور والفيديوهات الغربية غير الأخلاقية لا تناسب الثقافة الاسلامية !
على صعيد آخر ظهرت فى بعض الاوقات محاولات لم يكتب لها النجاح لتقديم بدائل اسلامية لمواقع التواصل الاجتماعى العالمية لتجنب ما تحتويه من مخالفات شرعية .. على سبيل المثال حاول مجموعة من رجال اعمال مسلمين تصميم موقع للتواصل بعنوان « عالم سلام « ليكون بمثابة فيس بوك اسلامى يراعى المعايير الاخلاقية ويقدم محتوى نظيفا.. ولكن المحاولة وكثير غيرها لم تكلل بالنجاح..
سؤال مهم يطرحه البعض وهل المسلمون وحدهم هم من يشتكون من محركات البحث الغربية وخطورتها عليهم والمشاركة فى المؤامرات ضدهم والتأثير عليهم ايضا؟!
والجواب المؤكد نعم انهم يشتكون مر الشكوى ايضا واكثر من المسلمين حتى انهم اتخذوا خطوات جادة وصارمة ضد تلك المحركات خاصة جوجل ومن وراءه من داعمين ومحركين فنيا واقتصاديا .. وهذا ما يميز هؤلاء عن المسلمين الذين يجأرون بالشكوى ولا يتوقفون عن الصراخ والعويل ولا يتحركون رغم الظلم الواقع عليهم من تشويه وتحريف وعدوان على مقدساتهم ومناصرة لاعدائهم وكم حذفت من فيديوهات واعمال تسجيلية لادانة جرائم ضد الانسانية وكذلك صور ومقاطع فيديو وغيرها من مقالات تم حجبها أو السماح باعمال اخرى منافية ومناهضة للحق الاسلامى بدعاوى زائفة برايات ملوثة وكلمات حق يراد بها باطل كالحرية وغيرها !!
ولعل اشهر نماذج للرد على جوجل وهيمنته ما فعلته كل من الصين وروسيا وكوريا الجنوبية .. اذ انشأت كل منها محرك بحث خاص بها لخدمة قضاياها الوطنية وللحماية من اضرار جوجل كما اعلنوا صراحة..
فالصين انشأت عام 2000 محرك البحث «بيدو» بعد ان اتهمت شركة جوجل «بتسييس القضايا التجارية» عبر تعليق موقعها الإلكترونى الصينى الرئيسى وتحويله إلى موقع إلكترونى غير مراقب ونقله إلى هونج كونج.
يعتبر بيدو الأكثر شهرة فى الصين وياتى فى التصنيف الرابع عالمياً من حيث قوة نتائج البحث التى يوفرها للمستخدمين حيث يوفر مليارات من طلبات البحث الشهرية.ولكن العيب الوحيد فى أنه يتوفر باللغة الصينية فقط ..
تبعتها روسيا التى كانت تراقب الصراع الصينى الامريكى عبر جوجل واسست محركا خاصا بها اسمه «ياندكس الروسي» وقالت انه يهدف إلى تلبية «توجهات الدولة» مثل «تسهيل الحصول على معلومات آمنة»، و»تصفية مواقع الإنترنت التى تضم محتويات محظورة».
كوريا الجنوبية انشات محركين للبحث الاول «نيفر» ويسيطر على 77٪ من السوق الكورية يليه المحرك الآخر «داوم» يسيطر على 20٪ من السوق أما حصة جوجل فى كوريا الجنوبية فهى هامشية جدا.
لكل ماسبق أرى ان هناك اهمية كبرى وامالا اكبر للمؤتمر القادم للمجلس الاعلى للشئون الاسلامية الذى يعقد خلال ايام بمناسبة ذكرى المولد النبوى الشريف واختار قضية بالغة الاهمية عنوانا له : الفضاء الالكترونى والوسائل العصرية للخطاب الدينى بين الاستخدام الرشيد والخروج عن الجادة .. المؤتمر كما قال فضيلة الدكتور محمد مختار جمعة وزير الاوقاف ورئس المجلس سيشارك فيه نخبة من كبار المسلمين من بلاد العالم لمناقشة العديد من المحاور المهمة للقضية وقدموا اكثر من خمسين بحثا علميا تلقى الضوء على الابعاد المهمة ومنها : الفضاء الالكترونى ضرورة عصر والوسائل غير التقليدية واثرها فى تناول الخطاب الدينى والفتوى الالكترونية والتحفيظ والتدريس عن بعد والاستخدام غير الرشيد للوسائل العصرية فى المجال الدعوى.
انا لمنتظرون ..والله المستعان ..