طيب القول
من حُسْنِ حَظِّى أنِّى سَكَنْتُ خلال إجازتى الصيفيّة بمدينة مَرْسَى مطروح- جميلة المُدن الساحليّة على البحر المتوسّط- بجوار "سيرك أشرف الحلو"، فكُنتُ أرْقبُ يوميًا روَّاده الذين ينتمون لمُختلف المستويات الاجتماعيّة والثقافيّة وأيضا الفئات العُمْرِيَّة- وإن كان أغلبُهم من الأطفال- ولَفَت نظرى سَمَاع أصواتِ بعض كبار قُرَّاء القرآن الكريم، وبعدها السلام الوطنى، فزادت لَهْفَتى وشَوْقِى لمعرفة مصدر هذا الصنيع الطيب.
فقرَّرتُ اصطحاب أُسْرَتِى فى جولة ترفيهيّة إلى السِيرك، وبالفعل تأكّدت من الحَدَث، وشعرتُ بالفرْحة والانتعاش أن هناك مسئولين- حتّى وإن كانوا فى موقِع الترفِيه- يحرصون على هذا السلوك الطيّب الذى يَنُمُّ عن التزامٍ دينى ووطنى ما أحوجنا إليه، خاصّة فى مثل هذه الأماكن التى يرتادها أبناؤنا الصِغار، حتّى ينشؤوا ويتربّوا على الالتزام والوطنيّة.
لكن، وما أدراك ما لكن هذه؟! فللأسف الشديد، عند إذاعة السلام الوطنى، وقفتُ- كما هو الواجب على كل مصرى- فإذا بِمَنْ خَلْفِى- أكثر من واحدٍ وواحدةٍ- يُطالبنى بالجلوس، بل يتهكَّمون علىَّ وكأنّى ارتكبتُ جُرْمًا أو سُلوكا مُشِينًا؟! والأدهى أنّ العَرْض لم يكن قد بدأ أصلا حتّى يُطالبونى بالجلوس لعدم حَجْبِ الرؤية عنهم! وأَصَرَّيتُ على موقفى حتّى انتهى "السلام الوطنى"، ووجّهت كلامى إليهم بأنّى لستُ أكثر وطنيّة وحُبًّا لبلدى منهم، ولكن استعجالهم ومطالبتهم لى بالجلوس ليس لها معنى، خاصّة وأنّ العَرْضَ لم يبدأ.
ولإدراكى أنه لا جدوى من مناقشة مثل هؤلاء، وإلا تحوّل الأمرُ إلى مُجادلة قد تتطوَّر للأسوأ، ونحن فى غِنًى عن ذلك، ونحن فى سَهْرةٍ ترفيهيّة! فتوجَّهتُ فى فترة الاستراحة إلى المدير المسئول عن المكان "بلال حسن"، وفاتَحْتَه فى القضية، فكان ردُّه عقلانيًا ومن واقع عَمَلِه الميدانى، حيث أكّد لى أنّهم يحرصون على غَرْسُ الانتماء والوعى، لدى جمهور الروَّاد، لأن عملَهم ليس ترفيهيًا صِرْفًا وإنّما يَنْشُدُ التعليمَ والتوجيهَ خاصة للأجيال الجديدة، وأهمّ هدف نشر قيم ومفاهيم العمل الجماعى، وهو ما يطبّقه أفرادُ العمل جميعا، مؤكِّدا أنّ العمل بـ"رُوْحِ" الفريق، من أهمّ ركائز النجاح فى أى شئ.
وقال "بلال": عَمَلُنا فيه نسبة كبيرة من المخاطر والتحديات التى قد تُعرِّضُ حياتنا للخطر الجسيم وقد يصل إلى الوفاة، فكلّ الفقرات الاستعراضية تقريبا خطيرة جدًّا، أوَّلها ترويض الأسود والنمور، وأيضا ألعاب الأكروبات والهواء أو النار، لذلك تجد جميع أفراد الفريق يعملون معًا، وهُمْ على قلب رجلٍ واحدٍ، وكلّنا فى حالة انتباه وتركيز شديد مع مَنْ يُقدِّم فِقْرَتَه، فليس هناك أحدٌ يهتمُّ بفقرته هو فقط، لأن إصابة أحَدِنا- لا قدَّر الله- هى إصابة للجميع.
ليس هذا فحسب بل كلُّ من يُقدِّم فقرته، يتفرَّغ لمساعدة زميله فى تقديم فقرته، فليس لدينا تنافس وإنما تكامل وتعاون حتى تنتهى جميع الفقرات بسلام الله.
ونظرا لأن جمهورنا أتَى للترفيه والاستمتاع، فنحن نستثمر هذه الفرصة من الإقبال الجماهيرى، فى غَرْسِ قيم الانتماء للوطن الذى نعيش على أرضه، فنقوم بإذاعة السلام الوطنى، ونحرص على هذا فى بداية كل سهرة، ليس هذا فحسب بل نذيع آيات قرآنية لكبار قراء القرآن الكريم المشاهير، سواء أثناء تدريباتنا أو قُبيل افتتاح حفلاتنا، تَيَمُّنًا وتَبَرُّكًا بها، حتى يحفظنا الله تعالى ويرعانا.
لكن يبقى على أولياء الأمور والمُخلصين، الحرص على حُسن الإنصات، والتزام الصمت والوقوف أثناء إذاعة السلام الوطنى، لتعليم الأجيال الجديدة وتنشئتهم على حُبِّ الوطن والانتماء.
ووَعَدَنِى بالحرصِ على تطبيق هذه التوجيهات لروّاد السيرك، وعدم البدء فى الفقرات الاستعراضية إلا بعد الالتزام بهذه القواعد والأُسس الوطنيّة.
وهكذا "تحيا مصرنا" بهذه النماذج المُخلصة فى عملِها وولائها لوطنها.