رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المستقيم

فى مثل هذا الوقت من كل عام استمتع مع الأسرة بمشاهدة ثلاثة أفلام سينمائية فى حفل واحد بمصيف جمصة العريق حيث تبدأ الحفلة فى التاسعة مساء وتنتهى ٤ فجرًا تقريبًا فى وجبة سينمائية دسمة لا يستوعبها إلا الكبار وأصحاب القلوب القوية حيث ينام الأطفال فى منتصف السهرة الصباحي.. هذا العام شاهدنا ببيت الروبي.. ع الزيرو.. تاجا وأتمنى ألا أتورط فى الدعاية لهذه الأفلام.. فكرة الأفلام الثلاثة واحدة تقريبًا.. السوشيال ميديا وتأثيرها الجنونى القاتل على الناس هذه الأيام.. ترفع أقوامًا إلى السماء.. ثم تهبط بهم إلى سابع أرض.. والسينما فى هذه الأعمال لا تكذب ولا تتجمل.. وإذا كانت فى ظاهرها تثنى على السوشيال ميديا وتبرز تأثيرها القاتل على حياة الناس.. لكن فى جوهرها تؤكد حقيقة راسخة سبق وأن تحدثت عنها فى هذا المنبر مرات عديدة وشاركنى ويشاركنى الرأى كثيرون من المفكرين والمحللين والكتاب.. الحقيقة التى لا مفر منها.. أن السوشيال ميديا وسيلة سريعة الانتشار.. سريعة التأثير.. لكنها ليست آمنة.. تفتقد للمصداقية.. وغير موثوق فيما تطرحه من معلومات وتوجهات ومواقف.. آلة خطيرة وفتاكة ومدمرة تستخدم فى أغراض وحملات شخصية مباشرة تحركها المصالح والأهواء والمراهنات وحصد المزيد من الدولارات.. لا تعبأ بمصلحة عامة.. ولا تبالى بقيم أو مباديء.. ولا تكترت بما قد تسببه من دمار وقتل وتخريب لحياة أفراد وأسر وربما شعوب وبلدان.. ولأجل الوصول إلى االتريندب ترتكب جرائم وتفبرك أفلام وتروج أكاذيب وتصطنع حكايات وقصص من وحى الخيال.. تقذف محصنات بأفظع الآثام والفواحش.. ويتهم أبرياء بالسرقة والقتل والفساد وارتكاب الرذيلة والفاحشة.. ولا تسألنى عن الضحايا.. اسألنى فقط عن آلاف الدولارات التى ستدخل حسابى من حصيلة ملايين المشاهدات والاعجابات والتعليقات والمشاركات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

فى ابيت الروبىب يهاجر بطل الفيلم إلى الصحراء ليعيش مع أسرته الصغيرة وحيدًا معزولاً بعيدًا عن ضوضاء الحياة هربًا من جريمة لم ترتكبها زوجته الطبيبة ولكن أبالسة السوشيال ميديا نصبوا لها محكمة وأصدروا حكمًا ظالمًا مستبدًا بإعدامها بتهمة قتل سيدة أثناء ولادتها فاضطر الزوج إلى ترك عمله والهروب بأسرته بعيدًا.. ولما عاد بعد سنوات للحياة من جديد وبفيديو بسيط صنعت منه السوشيال ميديا بطلاً.. وبأغنية عفوية أنشدها فى فرح شعبى بحارة صغيرة نجح فى ركوب التريند وتهافتت عليه شركات التسويق الالكترونى وربح ثروة طائلة وعادت زوجته إلى عملها فى المستشفى معززة مكرمة مرفوعة الرأس.. لم تدم السعادة طويلاً.. وعادت ريما إلى عادتها القديمة.. ونفس الآلة الجبارة التى حولت حياتهم إلى جنة خضراء.. سقطت بهم وبفيديو بسيط إلى قعر جهنم فقرر البطل الانسحاب والاعتزال والخروج نهائيًا من عالم التواصل الاجتماعي!! وفى فيلم اع الزيروب عاش البطل وكل من حوله وعشنا معه كمشاهدين مأساة كئيبة وكارثية فى رحلة العذاب والمرار بحثًا عن علاج لطفله الصغير من سرطان الدم.. المأساة كلها تفاصيل قاسية وموجعة لا يتحملها بشر.. الأب يبيع كليته.. ثم يتاجر فى المخدرات.. ويسرق العصابة وحبيبته الممرضة بالملاك البريء اا تسطو على خزنة المستشفى وتدخل السجن.. وفى النهاية تأتى اللحظة السعيدة والخاتمة الحميدة على يد السوشيال ميديا أيضا.. أغنية أنشدها الاب مع ابنه كسرت الدنيا وركبت التريند وحققت ملايين الجنيهات لحيل بها البطل كل مشاكله وأزماته وكوارثه التى أغرقنا معه فيها لما يقرب من ساعتين!!

وفى فيلم اتاجب نعود لعصر الخيال العلمى وأصحاب القوة الخارقة.. يرث البطل عن آبائه وأجداده قوة خارقة ويتحول إلى بطل أسطورى تتناقله مواقع السوشيال ميديا وتصل شعبية الآفاق محليًا وخارجيًا.. وفجأة.. وبفيديو مفبرك تنهار الأسطورة.. وتتساقط البطولة.. ويتحول سوبرمان الشهم الجدع المنقذ إلى حرامى وسارق ولص مخادع.. وينفض الجميع من حوله وينتصر الشر على الخير.. ولكن فى النهاية.. يسترد البطل شعبيته وأيضا من خلال السوشيال ميديا.

وهكذا خرجنا من الأفلام الثلاثة بحقيقة واحدة راسخة وثابتة ولا تقبل الجدل أو النقاش.. السوشيال ميديا نعم.. آلة جبارة متوحشة تصنع نجومًا.. وتجعل من الأعمى ساعاتي.. ومن القزم عملاقًا.. وتحول حياة البشر وتطير بهم فى الآفاق الواسعة حيث السعادة والثراء والشهرة والمجد.. ولكنها آلة غدارة.. لا تعرف قيمة أو مبدأ.. ولا تثبت أبدًا على حال.. وكما جعلت من الإنسان العادى نجمًا وبطلاً ومليونيرًا.. تستطيع فى ثوان معدودة وبنفس الأدوات والتقنيات أن تحوله إلى شيطان رجيم تقذفه الناس بالطوب والحجارة وتصب عليه لعناتهم.. هذه هى السوشيال ميديا التى يعتبرها البعض بديلاً للإعلام المقروء والمسموع والمرئي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة