رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نبينا كان يتوب إلى الله فى اليوم مائة مرة.. فماذا نصنع نحن؟!

حين نمعن النظر فى حال أمتنا يثور سؤال: كيف فرطت أمتنا فى أهم خصائصها التى امتدحها القرآن بقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..ب .. والجواب: أننا تغيرنا من الإيجابية والتناصح والتواصى بالحق والصبر إلى السلبية والتواكل والغيبة والنميمة والصراعات وحب النفس والأنانية.. لقد صار القول غير الفعل ..انفصل المنهج عن السلوك.. خاصم ظاهرنا باطننا حتى وصلنا لما نحن فيه.. مسلمين بلا إسلام كما وصفنا الإمام محمد عبده بقوله الأثير افى الغرب إسلام بلا مسلمين وفى الشرق مسلمون بلا إسلامب.

وإذا سلمنا بوجود تلك العلل فى أنفسنا وفى مجتمعنا، فالاعتراف بالعلل أول خطوات العلاج الذى لا جدوى من إنكاره أو مداراته أو التنصل منه؛ ..ثمة أزمة وجدان جمعى وأزمة أخلاق حقيقية فى شوارعنا تفاقمت أكثر وأكثر بعد أحداث يناير 2011 وما تلاها من انفلات طال كل شيء فى حياتنا ..وهو ما تبذل الدولة فى ظل حكم الرئيس السيسى جهداً هائلاً لإصلاحه انطلاقاً من إعادة بناء الإنسان وتقويمه وتهذيب أخلاقه.

إصلاح الأخلاق لن يتحقق إلا بتوبة صادقة، تبدأ بالفرد لتعم المجتمع لاستعادة العافية والتماسك ؛ ولن تتحقق التوبة النصوح إلا بإقلاع كل فرد عن أخطائه وذنوبه كلها، والندم عليها، والعزم على عدم العودة إليها، وأن تكون التوبة طلبًا لثواب الله ورحمته، وخوفًا من عذابه وعقوبته، يقول الله عز وجل: ايَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُب.

يقول النبى صلى الله عليه وسلم: ا يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّى أَتُوبُ فِى الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍب فإذا كان رسول الله وهو المعصوم يتوب إلى الله فى اليوم 100 مرة فما بالك بنا نحن الذين نرى أخطاءنا ونعرفها ونعترف بها لكننا نؤجل التوبة وتغرنا الحياة الدنيا.. نعصى ثم نتوب، ثم نعود للمعصية، ثم نحزن على فعلها لكن يغلبنا الهوى ، وتجذبنا العادة ونراوح مكاننا بين رغبة فى التطهر وعجز عن الخروج من دائرة الغواية التى لا نقوى على فراقها..نحن تنقصنا الإرادة والعزيمة حتى لا تخذلنا أنفسنا وتقودنا للتهلكة والخسران.

الخذلان الحقيقى كما أجمع العارفون بالله أن يكلك الله إلى نفسك ويخلى بينك وبينها، وآية ذلك أن تفرح بالمعصية، فهذا دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصيته، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها، ففرحك بها غطى على ذلك كله، وفرحك بها أشد ضررا عليك من مواقعتها.

أما المؤمن الحق فلا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سُكْر الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خلا قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره، فليتَّهِمْ إيمانه، وليبكِ على موت قلبه؛ فالإصرار على المعصية معصية أخري، والقعود عن تدارك ما فاتك من الخير بسبب المعصية يعتبر إصرارًا ورضا بها وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك..يقول سهل بن عبد الله: الجاهل ميت، والناسى نائم، والعاصى سكران، والمصرُّ هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدًا؛ وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدًا لا يملكه!. وعلى هذا فالتوبة من المعصية مع بقاء لذتها فى القلب، وتمنى ارتكابها إن وجد إليها السبيل، وحديث النفس الدائم بلذتها، هذه التوبة تسمى توبة الكذابين، وهى التى وصف أبو هريرة صاحبها بأنه كالمستهزئ بربه، فهى توبة غير مقبولة، فضلاً عن الإثم الذى يلحق بصاحبها من مخادعته لله عز وجل.

للتوبة النصوح شروط؛ أولها أن تكون خالصة لله؛ بالإقلاع عن المعصية والندم عليها والعزم على عدم الرجوع إليها، ولا بد أن يكون هذا كله من أجل الله عز وجل، رغبة فى ثوابه، وخشية من عقابه..وليس من التوبة مثلاً أن يقلع أحدهم عن الاتجار بالمخدرات، خوفًا من مطاردة الشرطة، ومن العقوبة التى تنتظره، فذلك لم يكن تائبًا، ولا كان إقلاعه توبة.. ومن أقلع عن القمار؛ لأنه خسر ماله فيه، وأفلس وضاعت ثروته، لم يكن ذلك توبة منه، ولا يدخله ذلك فى عداد التائبين. لكن إذا تحركت فى قلبه بواعث الإيمان ، وجعلته يراجع نفسه ويتذكر آخرته، فتاب عند ذلك، فتلك توبة يرجى لها القبول.

الشرط الثانى لقبول التوبة هو الندم على ما سلف من أخطاء، فعدم الندم على القبيح دليل على الرضا به، والإصرار عليه.. أما الشرط الثالث فهو الإقلاع عن الذنوب؛ فلا توبة مع مباشرة الذنب؛ فمن يستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزيء بربه.. والشرط الرابع هو الاعتذار، وإظهار الضعف والمسكنة لله عز وجل، وأنك لم تفعل الذنب عن استهانة بحقه سبحانه وتعالي، ولا جهلاً به، ولا إنكارًا لإطلاعه، ولا استهانة بوعيده، وإنما كان ذلك من غلبة الهوي، وضعف القوة عن مقاومة الشهوة، وطمعًا فى مغفرته سبحانه وتعالي، واتكالاً على عفوه، وحسن ظن به، ورجاء لكرمه، وطمعًا فى سعة حلمه ورحمته..ب إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْب ..يقول أبو جعفرب إنما التوبة للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نـزول الموت بهم.

أما خامس شروط التوبة فهو الاستدراك ورد الحقوق؛ حقوق الله عز وجل، وهى إما أوامر وطاعات قد قصَّرت فيها ويجب عليك تعويضها بعد الاجتهاد والتحرى بقضاء الفروض التى تركتها أو أديتها ناقصة وكثرة صلاة النوافل والسنن، أو معاصى ارتكبتها ويجب أن يحصيها الإنسان ثم يسعى فى تكفيرها كلها.. حقوق ومظالم الناس فقد شدد الشرع فيها ما لم يشدده فى حقوق الله عز وجل، وقد وجب على التائب أن يرد الحقوق إلى أصحابها إن كانوا أحياء، أو إلى ورثتهم إن ماتوا..فإن لم يستطع ردها فليستحل منه بعد إعلامه بها، إن كان حقًّا ماليًّا أو جناية على بدنه، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: امَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِب فإن لم يسامحه صاحب الحق ويتحلل له فعليه أن يسعى ما استطاع فى تحصيل هذا الحق ورده إلى صاحبه.. فإن لم يجد أصحاب الحقوق ولا ورثتهم، فعليه أن يتصدق بهذه الحقوق عن أصحابها، ويدفعها إلى الفقراء والمحتاجين، أو إلى جهات الخير ومصالح المسلمين.. أما المظالم الأدبية، كالغيبة والسب والسخرية والاستهزاء، فيجب إعلام من اغتبته أو سببته، والتحلل منه، أو تتوب بينك وبين الله، ولا يشترط إعلام من قذفته أو اغتبته..فإن لم يترتب على إخباره وإعلامه مفسدة وضرر، فيجب إخباره والتحلل منه، وإن ترتب على إخباره مفسدة أو ضرر، فتُدفَع المفسدة، وتتوب بينك وبين الله ولا تخبره، وتدعو له.

التوبة ليست قولاً باللسان، كما يفهم كثير من العوام، ولو كانت كذلك ما كان أسهلها بل هى أمر أكبر من ذلك وأعمق وأصعب عليك أولًا أن تتحقق وتتأكد، لتعترف بالذنب وتسأل الله المغفرة، أما مجرد الاستغفار، أو إعلان التوبة باللسان - دون عقد القلب - فهو توبة الكذابين، كما قال ذو النون المصري، وهو ما قالته السيدة رابعة: اإن استغفارنا يحتاج إلى استغفار!!ب حتى قال بعضهم: اأستغفر الله من قولي: أستغفر اللهب أى باللسان من غير توبة وندم بالقلب.

التوبة الحق بداية الصلاح؛ وللتوبة المقبولة علامات؛ أن يكون المرء بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها، وأن يظل الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين، فخوفه مستمر إلى أن تفيض روحه إلى بارئها..فإذا تحققت التوبة رق قلب المرء وتقطع ندمًا وخوفًا..وفى ذلك يقول عمر رضى الله عنه: ااجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدةب.. فما أصعب التوبة الصحيحة بالقلب، وما أسهلها باللسان..لكن أيهما أحب إلى الله وأدعى لقبوله وعفوه وغفرانه ومن منا لا يحتاج رضوان الله وعفوه..اختر لنفسك ما تشاء..فكل نفس بما كسبت رهينة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة