شهدت الولايات المتحدة تغييرات في استراتيجيتها وتواجدها في منطقة الشرق الأوسط على مر السنوات.
في عام 2020، أعلنت الولايات المتحدة عن خطة للانسحاب التدريجي من أفغانستان بحلول سبتمبر 2021. وفي أغسطس 2021، تمت عملية انسحاب كبيرة للقوات الأمريكية من أفغانستان، وذلك في إطار الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. وبالفعل، جرى انسحاب كبير وسريع للقوات الأمريكية والقوات التابعة للحلفاء.
وبالنسبة لبقية الشرق الأوسط، لا توجد مؤشرات قوية على سحب كامل للولايات المتحدة من المنطقة. فواشنطن لا تزال لديها مصالح استراتيجية واقتصادية في الشرق الأوسط، مثل الأمن الإقليمي، والاستقرار السياسي، والطاقة.
ومن المهم أن نذكر أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة قد تتغير بناءً على التحديات والأولويات الجديدة، وقد تتأثر أيضًا بالتطورات السياسية والأمنية في المنطقة.
وعلى سبيل المثال ففي الوقت الذي أعلن فيه عن الاتفاق الذي توسطت فيه الصين بين إيران والسعودية، في مارس 2023، فقد حمل الإعلان على نطاق واسع، علامة على دخول بكين ساحة سياسات القوة في الشرق الأوسط ، وهو ما تسبب في ازمة داخل الإدارة الامريكية الحالية.
وعلى رغم نفي إدارة بايدن كون الوساطة الصينية في إبرام الاتفاق الذي أحيا العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، قرينة على تراجع النفوذ الأميركي، فإن إجراءات واشنطن منذ ذلك الحين ترسم صورة مختلفة.
وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، نشرت الولايات المتحدة عناصر عسكرية إضافية في المنطقة، وزادت الدوريات والتدريبات المشتركة حول مضيق هرمز. ونبهت إلى أنها ستعزز صفقات الأسلحة مع شركاء إقليميين مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأكدت انها ستوسع عمليات التدريب مع مصر والكويت وغيرهما، كل ذلك في مسعى واضح وجلي لطمأنة الشركاء العرب إلى التزامها أمن الشرق الأوسط.
لكن من غير المرجح أن تعزز هذه التحركات النفوذ الأميركي. فانعطاف القوى العربية نحو بكين ليس ثمرة ضعف المرابطة العسكرية الأميركية في المنطقة. فتلك الدول لا يخفاها حجم الاستثمارات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، بيد أنها تطعن أكثر فأكثر في إرادة الولايات المتحدة إعمال تلك القدرات خدمة لمصالح الدول العربية. لذا، فهي تتعاون مع الصين في مجالات مثل البنية التحتية والتكنولوجيا، حين يتراءى لها أن الولايات المتحدة أقل قدرة أو استعداداً لمساعدتها.
وتسعى تلك الدول في حيازة بعض النظم العسكرية، مثل الطائرات من دون طيار المتقدمة، وهو سلاح أبقته الولايات المتحدة خارج متناولها. وتميل السياسة الخارجية الصينية إلى أن تكون أكثر وداً مع نظيرها من الأنظمة. ووسع بكين البقاء على مسافة واحدة من القوى المتنافسة في المنطقة، وتقديم نفسها وسيطاً غير متحيز.
في ضوء هذه التوجهات، تحتاج الولايات المتحدة إلى نهج جديد في المنطقة. وعليها أن تقبل الجوانب الأكثر إيجابية لحضور الصين المتنامي في الشرق الأوسط، وأن تشجع مساهمات بكين في التنمية والاستقرار الإقليميين، بدلاً من احتوائها. وعلى واشنطن الرد على إجراءات صينية تلحق الضرر بمصالح الولايات المتحدة بإجراءات دقيقة.
في الوقت نفسه ينبغي ألا تصر واشنطن على استراتيجيتها البالية والمتقادمة التي تشدد على الأمن، وتبذل أقصى جهدها في سبيل إنشاء تكتلات دفاعية موالية للولايات المتحدة وتضطلع بدور قوة تتصدى للتجاوزات الصينية.
وحري بالولايات المتحدة، على خلاف هذه السياسة، أن تشمل أدواتها السياسية واستثماراتها في المنطقة المجالات التي تتفوق فيها، مثل تطوير رأس المال البشري والتعليم، والتكنولوجيا الخضراء، والمنصات الرقمية.
طوال العقد الماضي، تحولت السياسات الخارجية في دول كثيرة في الشرق الأوسط نحو تعدد التحالفات. فشركاء الولايات المتحدة التقليديون، مثل مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، تحفظوا على محاولات واشنطن إنشاء تكتلات حصرية في قيادتها. وهم يسعون في عقد شراكات مع قوى متعددة، بما في ذلك الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة.
الإمارات العربية المتحدة مثال على ذلك. فعلى رغم أن أبوظبي لا تزال شريكاً أمنياً واقتصادياً وثيقاً للولايات المتحدة، فإنها وطدت علاقاتها ببكين من طريق التجارة، وتبادل التكنولوجيا، وصفقات الأسلحة الجديدة، وحافظت على علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع روسيا، على رغم غزو موسكو أوكرانيا في عام 2022.
وتستثمر الإمارات، كذلك، في التبادل التجاري ومبادرات التكنولوجيا مع الهند، في إطار التصديق على "الشراكة الاقتصادية الشاملة" الجديدة في عام 2022. نظراً إلى أن دول الشرق الأوسط الأخرى تسعى في عقد شراكات متنوعة مماثلة، فالأرجح أن يترتب على الاتجاه نحو التحالفات المتعددة تجديد بنية نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
على رغم أن الشرق الأوسط متعدد التحالفات، فإنه ليس متعدد الأقطاب: فالولايات المتحدة تظل، إلى حد بعيد، الراعي الأمني الأساسي للشرق الأوسط، ويبدو من المستبعد أن يتعرض هذا الموقع لأي خطر في المستقبل المنظور. ومع أن العدد الإجمالي للقوات الأميركية تدنى عن ذروته، لكنه لا يزال يفوق الـ30 ألفاً، أي ما كان عليه تقريباً قبل غزو الولايات المتحدة العراق في عام 2003.
لكن الهيمنة لا تعني الحصرية. وعلى رغم تواضع دور الصين الأمني في المنطقة، فإنه قد يضمن لشركائها فرصاً دفاعية واقتصادية لا توفرها الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، تملك بكين قاعدة عسكرية واحدة، تقع في جيبوتي، لكنها استثمرت في موانئ المنطقة كلها، ويمكن استخدامها للأنشطة المدنية والعسكرية على حد سواء.
وهذه الاستراتيجية ساعدت الصين على توسيع نطاق انتشارها العسكري وتعزيز تجارتها مع دول الشرق الأوسط في الوقت نفسه. وسمحت الإمارات العربية المتحدة للصين، على ما لاحظ تقرير استخباراتي أميركي في ديسمبر 2022، باستئناف البناء في منشأة لوجيستية عسكرية في أحد هذه الموانئ. ولا يرمي الإجراء إلى استبدال الدور العسكري الكبير للولايات المتحدة في البلاد، بل إلى تمكين الصين من توسيع انتشارها العسكري هناك.
في المقابل، تثمن القوى الإقليمية، العروض الصينية بوصفها مكملة لأنظمة الأسلحة الأميركية التي تستمر تلك البلدان في شرائها، وتفضلها نظراً إلى جودتها العالية ومكانتها الرفيعة، ولا تستغني عنها. وكذلك قدمت الصين للحكومات العربية المساعدة في مجال الأمن الداخلي، بما في ذلك التدريب على إنفاذ القانون، والتحكم في تقنيات المراقبة المتطورة. ومن الان لا ينبغي لواشنطن أن تصر على استراتيجيتها البالية التي تركز على الأمن.
ومن أجل تجنب التهميش، يتعين على الولايات المتحدة أن تدرك أن مصدر التهديدات الرئيسة التي يواجهها الشرق الأوسط، في العقد المقبل، هو المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وليس تجاوزات القوى العظمى.