لوجه الله:
يخاف الكثيرون من الحسد، وتسيطر عليهم (فوبيا الحسد) وهذا الخوف الدائم من الحسد والحاسدين يحول حياة البعض الى جحيم، فكل تعثر لا يرجعه هؤلاء الى سنن الحياة الطبيعية وما فيها من نجاح أو إخفاق.. بل يعلقون تعثرهم وفشلهم وعدم تحقيق تطلعاتهم الى شرور عيون الحاسدين.
نعم.. الحسد حقيقة، وقد ورد ذكره فى القرآن الكريم، وأمرنا الخالق سبحانه وتعالى فى نص قرآنى صريح بأن نستعيذ من شرور الحاسدين فقال عز وجل:" قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات فى العقد ومن شر حاسد إذا حسد".
لكن الإيمان بالحسد لا يعنى أن يستسلم الإنسان للأوهام، ويسلم عقله وضميره للوساوس، ويتعامل مع الناس بتوجس وخيفة، وأن يرجع كل مشكلة فى حياته وحياة أسرته الى (وهم الحسد) ويترك الأخذ بالأسباب، ويبادر الناس بالعداء، ويشيع عنهم ما ليس فيهم.
منذ أيام طلب منى صديق أن أساعده فى البحث عن مسكن آخر غير الذى يقيم فيه مع أسرته.. وبمجرد سؤاله عن السبب قال: (منه لله أحد الجيران الأشرار دمر حياتنا بحقده وشرور عينيه ويكفى أن إبنتى لم تلحق بكلية الطب هذا العام بسبب نقه وشرور نفسه!!).
حاولت أن أفهم قصة إبنته التى لم تلحق بكلية الطب فأخبرنى بأنها نجحت هذا العام فى الثانوية العامة بمجموع كبير وجاره (الحاسد) قال له ستكون دكتوره إن شاء الله، وقد ظهرت نتيجة التنسيق وضاعت منها كلية الطب على نصف درجة!!
حاولت التخفيف من روع صديقى واقناعه بأنه قد يكون ظالما لجاره، فليست هناك علامات تحدد صفات وخصائص الحاسدين، ويجب أن يتخلص من هذا الوهم، ولكنه لم يقتنع وقال لقد جربناه كثيرا والأسرة كلها كرهت المنطقة بسبب ولابد من تغيير مسكنا لكى نعيش فى أمان وطمأنينة بعيدا عن هذا الرجل الشرير!!
**
الخوف من الحسد شعور يسيطر على كثير من الناس، حيث يشعر هؤلاء بالهلع من الحاسدين، ولديهم استعداد لممارسة العنف ضد من يعتقدون أنهم يؤذونهم بنظراتهم المدمرة، والأمر لا يخص البسطاء من الناس فحسب، بل هناك فئات مثقفة ومتدينة تعانى من "فوبيا الحسد" وتتهرب دائما من الظهور أمام المشتهرين بين الناس بالحسد، وهو الأمر الذى يؤكده أساتذة الطب النفسى ف "فوبيا الحسد" موجودة بالفعل بين كثير من الناس، حيث يخشى هؤلاء الحسد، ويؤمنون أنه يؤذيهم ويلحق بهم الضرر فعلا، ولذلك يتجنب هؤلاء التواصل مع الحاسدين أو رؤيتهم، كما أن بعض الذين يخشون الحسد لديهم استعداد لممارسة العنف الجسدى والنفسى ضد هؤلاء الذين اشتهروا بالحسد فى محيطهم، سواء أكانوا جيران فى السكن، أو زملاء فى العمل!!
نفسيا.. يؤكد أطباء النفس ضرورة التخلص من هواجس الحسد التى تسيطر على نفوس البعض، ويؤكدون أن استمرار هذا الهاجس يعنى أن يعيش الإنسان فى نكد دائم، فلو ترك منطقة وذهب ليقيم فى أخرى سيجد هناك من يعتقد أنه يحسده ويحقد عليه، ولذلك لا مفر من التخلص من هذه الهواجس النفسية.
دينيا يؤكد علماء الدين أن الحسد ليس وهما، ولا هاجسا نفسيا، بل حقيقة ورد ذكرها فى القرآن الكريم، ولخطورة هذه الرذيلة أمرنا الخالق سبحانه وتعالى بالاستعاذة من شرور الحاسدين الذين يستكثرون علينا ما رزقنا الله به من صحة ومال وأولاد، ويتمنون زوال كل نعم الله عنا، فالحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره، دون أن يطلبها لنفسه، ودون أن يستفيد شيئا من ذلك سوى إشباع شهوة الحقد داخله.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسد في عدد من الأحاديث النبوية الصحيحة، منها قوله: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا..."، ومنها قوله صلوات الله وسلامه عليه: "إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب".
**
هذا المرض النفسى (الحسد) يجب على الإنسان الحاسد أن يقاومه بالرضا بقضاء الله وقدره، وعدم الحقد على الآخرين، ممن قدر الله لهم رزقا أوفر من رزقه، وصحة أحسن من صحته، ونصيبا من الدنيا أوفر من نصيب من يحسده ويحقد عليه.
والحسد- كما وصفه العلماء- اعتراض على قضاء الله وقدره، فالله سبحانه وتعالى حين خلق هذا الكون قسم الأرزاق، بحيث يكون من عباده الغني ومنهم الفقير والشقي والسعيد والصحيح والمريض.. لكن للأسف الشديد بعض الناس ابتلاهم الله بعدم الرضا بقضائه، فنقموا على من حولهم، بل ملأ الحقد والحسد قلوبهم تجاه كل من يملك شيئا لم يكن لهم نصيب منه، فصار الحسد أحد الأمراض الفتاكة التي انتشرت رغم التحذيرات الشديدة التي حملتها النصوص الدينية من هذا السلوك المذموم، ورغم ما يجلبه الحسد للحاسد من متاعب صحية ونفسية، وقد يدفعه حسده وحقده الى ارتكاب جرائم يعاقب عليها بعقوبات قاسية.
الحسد.. عدم رضا بقضاء الله وقدره، وهذا يؤكد أن الإيمان والحسد لا يجتمعان فى إنسان، ذلك أن "المؤمن لا يحسد"، وقد وصف بعض العلماء الحسد بأنه "ضعف إيمان وعدم ثقة فى عدالة الخالق".
سألت العالم الأزهرى د. نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر عن كيفية مواجهة شرور الحاسدين فقال: ننصح هؤلاء الذين تسيطر عليهم هواجس الحسد أن يسلموا أمرهم لله، فلا نافع ولا ضار إلا بإرادة الله، ذلك أن هناك هواجس نفسية تسيطر على بعض الناس، حيث يعتقدون أنهم محسدون، والأسلوب الأمثل لمواجهة مثل هذه الاضطرابات النفسية، وحالة الهلع والخوف من الحسد، هو قربهم من خالقهم وتعليمهم ما علمنا إياه القرآن الكريم الذي أمرنا بالاستعاذة بالله من شرور الحاسدين، وليس عمل تمائم وأحجبة والاستعانة بأشياء لا تفيد كما يفعل بعض البسطاء.
ويضيف: المسلم الذى يريد أن يحمي نفسه من شرور الحاسدين عليه أن يلجأ إلى خالقه بالدعاء الصادق، ويتحصن بآيات القرآن الكريم، وعليه أيضا أن يعتقد اعتقادا جازما بأن النافع والضار هو الله، ويردد في كل أحواله: "قل لن يصبنا إلا ما كتب الله لنا".. وأن يرتبط بخالقه، ويتوكل عليه، ويستعيذ به من شرور السحرة والحاسدين، فالتمائم كلها لا تنفع، بل قد تضر المسلم في عقيدته إذا ما اعتقد أنها تفيده وتحميه وتغير من قدر الله له، فالمسلم مطالب شرعا بالثقة في إرادة الله، وفي قدرته على دفع شرور الحاسدين.