عيون الشعب
بهرنى على باشا مبارك بشخصيته وبعطائه وببره بأسرته .. لم يتنكر لأهله الفقراء .. بعد ان تولى أعلى المناصب وأصبح وزيرا .. كان يرسل لهم نصف مرتبه مدى حياته .. هذا الرجل العظيم .. يستحق ان نطلق عليه " الاسطورة " .. تحمل مالا يتحمله مخلوق .. فى بداياته ادخلوه السجن ظلما وهو طفل عمره ١٠ سنوات .. لأنه تجرأ وخصم قيمة أجره من حصيلة الضرائب التى جمعها .. وكتب ايصالا بقيمة هذا الأجر .. بعد ان رفض رئيس العمل منحه حقه لمدة ٦ شهور .. ووضع الايصال فى حقيبة المال .. عاش معاناه حقيقية فى كل شئ .. حتى مع والده الذى رفض تعليمه بكل الطرق والاساليب .. فعل الأب شبه المستحيل .. ليمنع ابنه من دخول المدارس .. ليلحقه بالعمل حتى يساعد الأسرة بما يحصل عليه من اجر .. وبالرغم من كل هذه المعاناه .. وهذه القسوة التى تعرض لها على مبارك .. حتى التحق بمدرسة القصر العينى .. وهو فلاح ابن فلاح .. من أسرة معدمة .. لم يتمكن منه الحقد او الكراهية او حتى الانتقام .. إنما كان النموذج والقدوة فى التفوق والنبوغ وفرض نفسه على المجتمع .. بجهده ومثابرته واخلاصه فى تحصيل العلم .. وحتى وهو فى فرنسا .. لم ينشغل بملذات الهوى واللهو .. ولم يشغله غير علومه .. وتحقيق هدفه .. ليصبح الأول على البعثة المصرية .. ويعلم نفسه بنفسه اللغة الفرنسية .. وتقديرا لتفوقه .. تختاره فرنسا للدراسة سنة كاملة بعد انتهاء البعثة على نفقة فرنسا فى أعلى مدارس الهندسة العسكرية .. انظروا رجل يخرج من تحت الصفر .. لم يبحث عن واسطة فى عصر كانت فيه الواسطة هى السائدة .. رجل لم يكن معه .. سوى عزيمة حديدية .. لا تلين .. وهدف لا يعرف المستحيل .. وطوال قراءتى لقصة حياته .. كان يقفز امامى الاسطورة طه حسين .. فهو من نفس العينة العظيمة .. بينهما تشابه كبير .. فى الإصرار على تحقيق الحلم او الهدف .. وفى العطاء دون إنتظار مقابل .. وفى التغلب على كل معوقات ومعاناة التفوق والنبوغ .. أنهما من الشخصيات التى يتوقف امامها التاريخ طويلا .. اسمحوا لى ان نستكمل مشوار حياة على باشا مبارك .. ففى سنة ١٨٤٩ ميلادية .. يكلف على مبارك بالإشراف على المدارس الملكية .. فقرر تخصيص ٥ آلاف جنيه لكل مدرسة .. وجعل جميع المدارس تحت إدارة واحدة .. ويحصل على مبارك .. على رتبة اميرالاى من الخديو عباس باشا حلمى .. تقديرا لنهوضه بهذه المدارس .. ويستدعيه الخديو .. ويستفسر على ضمان نجاح أفكاره فى تحسين مستوى التعليم بالمدارس .. فيجيب على باشا مبارك : انه يتطلب الأمر .. إرسال جماعة من المدرسين الى فرنسا .. ليتعلموا فنون ادارة المدارس وأحدث أساليب التدريس .. ويقف على باشا مبارك امام الخديو عباس حلمى .. موضحا هدفه .. قائلا : ان مدير المدرسة .. إذا احسن إدارتها على فهم منه وبصيرة .. نجح .. فإن الساعة المضبوطة الدقيقة الصنعة .. يفسدها من لا يحسن إدارتها .. بينما تدوم على حالها .. إذا كانت بيد من يحسن إدارتها .. هنا أعجب الخديو بفهم وشجاعة على مبارك .. وعينه وزيرا على المدارس ومنحه رتبة أعلى ونيشانا .. وقام على مبارك بتأليف كتب مناهج الدراسة بنفسه .. وطبع حوالى ٦٠ الف نسخة من كتب متنوعة لمدرسة المهندس خانه مع باقى المدارس .. يقول على مبارك :
كان يشغلنى مأكل وملبس ومشرب التلاميذ .. وكنت اباشر ذلك بنفسى حتى يتعلم التلميذ كيف يلبس وكيف يقرأ وكيف يكتب .. وكيف يلقى المدرس الدرس وكيف يؤدب التلاميذ .. ولا يمضى يوم .. الا وادخل كل فرقة .. اتفقد احوالها .. مع التشديد على الضباط والخدمة .. حتى الفراشين .. للقيام باعمالهم كما ينبغى .. والفت بنفسى كتابا فى الطبيعة والعمارة .. يدرس بالمدارس .. وفى سنة ١٨٥٣ ميلادية .. يستدعي على مبارك .. للسفر للمشاركه مع الجيش التركى فى حرب القرم .. لمدة سنتين ونصف .. وينتهي على مبارك إقامته فى تركيا اربعة شهور .. ليتعلم خلالها اللغة التركية .. ثم يذهب مع الجيوش الى روسيا للحرب وينزل فى بلاد القرم .. حيث البرد الشديد .. ويقيم على مبارك كقائد كبير .. مستشفى بمدينة كموشخانة .. وعقب انتهاء الحرب .. وعودة على باشا مبارك لمصر .. يتم تسريح جميع الضباط والقادة .. ومكثوا فى بيوتهم دون عمل .. نتيجة هزيمة الدولة العثمانية .. وبعد ٧ سنوات قضاها على مبارك دون عمل .. قرر العودة لبلده والإقامة بها .. وعدم التطلع للمناصب .. وهنا يقول على مبارك : عوضنا الله خيرا قى نتائج الفكر وثمرات المعرفة .. ولنفرض اننا لم نفارق قريتنا .. ولا خرجنا منها .. وبينما يتجهز على مبارك للعودة لبلده برنبال .. يصدر أمرا بتجميع الضباط المرفوضين من الخدمة الى القلعة .. لفرزهم واختيار الأصلح للعودة .. ومنهم على مبارك .. ويعين معاونا بديوان الجهادية .. ويعين بعد ذلك مفتش هندسة نصف الوجه القبلى .. ثم تم الاستغناء عنه .. ويجئ الخديوي إسماعيل حاكما لمصر .. ويقرر تعيين على باشا مبارك لنظارة القناطر الخيرية .. وادخل عليها عدة تعديلات مهمة .. وفى سنة ١٨٦٥ ميلادية .. يتم اختيار على مبارك ممثلا للحكومة المصرية .. لمراجعة حق امتياز الشركة الفرنسية لقناة السويس .. وقام على مبارك بتعديل حق الامتياز وإلغاء بعض الامتيازات واعادتها للحكومة المصرية مثل ترعة الإسماعيلية وتخفيض مساحات الاراضى الممنوحة للشركة .. ويمنح الخديو إسماعيل .. على باشا مبارك رتبة المتمايز ونيشان المجيدى من الدرجة الثالثة وهو يمنح من الدولة العثمانية .. ويسند الى على مبارك رئاسة وكالة ديوان المدارس .. وينتبه الخديو إسماعيل للسفر الى باريس للتفاوض فى موضوع الديون .. وفى سنة ١٨٦٨ ميلادية يمنح رتبة ميرميران ( امير الأمراء ) .. ويكلف بادارة السكة الحديدية وديوان المدارس وديوان الأشغال العمومية .. ومعهم نظارة عموم الاوقاف .. ويقرر على مبارك انشاء دار العلوم فى يوليو ١٨٧١ ميلادية .. لتتحول بعد عام واحد الى مدرسة عالية .. كما أنشأ دار الكتب .. وقرر انضمام المدارس والكتاتيب والمكاتب التعليمية الأهلية الى الأوقاف وفى سنة ١٨٨٨ يتولى على مبارك نظارة المعارف العمومية .. حتى ١٨٩١ .. وبعد خروجه من الوزارة يتفرغ لتأليف الكتب العلمية .. التى بلغت اكثر من ٥٠ كتابا .. ويتوفى على مبارك فى بيته بالحلمية بالقاهرة ليلة ١٤ نوفمبر ١٨٩٣ .. ويشيع جنازته جموع غفيرة يتقدمهم الأمراء وعلية القوم .. وتغلق جميع المدارس في هذا اليوم .. ويتصدر خبر وفاته جميع الصحف .. وقام طلبة دار العلوم بالاكتتاب فيما بينهم لاقامة تمثال له .. رحم الله على مبارك .. واسكنه فسيح جناته .. بما قدم لوطنه .. هذا الاسطورة العظيم .. سيظل فى وجداننا مدى الحياة