صيف تحدث فيه الأرض أخبارها
لطالما حذرت الأوساط العلمية على مدى الربع قرن الأخير من خطر الانحدار الحاد فى استقرار النظم البيئية على سطح كوكب الأرض، وأنذرت باستفحال الكوارث، لكن مع الأسف لم تقابل كل تلك التحذيرات بالجدية التى تتلاءم مع حجم الخطر الوجودى الذى يهدد البشرية وهى نفسها التقارير التى تقول إن الأسوا لم يأت بعد وإن الأرض لم تحدث بكل أخبارها وبأنها مقبلة على تطرفات مناخية أشد خلال الأعوام القادمة.
شهد العالم صيفاً قاسياً فى أجزاء شاسعة من أمريكا الشمالية وآسيا وأفريقيا وأوروبا، وحرائق وأمطاراً موسمية، وجفافاً وتصحراً وانحساراً للمساحات الخضراء والمسطحات المائية، وذوباناً متسارعاً لجليد القطبين الجنوبى والشمالى، وارتفاعاً فى منسوب البحار وتزايداً لتأثيرات الاحترار القياسى على صحة الإنسان الجسدية والنفسية، وإخلالاً بطبيعة الأشياء وبالتوازن البيئى والحيوى على كوكب الأرض, ورأينا العائلات تفر من النيران، وينهار العمال تحت تأثير الحرارة الحارقة، حيث ارتفعت درجات الحراة فى شهر يوليو الماضى، على مستوى دول كثيرة وتخطت الحدود ليكون يوليو صاحب المستوى القياسى لأكثر الأشهر حرا على الإطلاق فى العالم بفارق 0.33 درجة مئوية عن يوليو من عام 2019، و أكثر سخونة بـ 0.72 درجة مقارنة بيوليو فى السنوات الممتدة بين 1991 و2020، وهكذا فإن 2023 هو عام كسر الأرقام القياسية للاحترار العالمى، على مدى أكثر من 120 ألف عام، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة ومرصد اكوبرنيكوسب الأوروبى حول التغير المناخى، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، قال: اإن البشرية انتقلت من مرحلة الاحتباس الحرارى لتدخل مرحلة الغليان العالمىب وهو تصريح يحمل المزيد من القلق خاصة أن دول العالم المتقدمة صناعيا متقاعسة، وهى المتسبب الأكبر بتسارع وتيرة الاحترار وارتفاع تراكيز الغازات الدفيئة فى الغلاف الجوى، وربما كان هذا الهدف الرئيسى لمؤتمر المناخ الماضى فى شرم الشيخ اكوب 27ب وهو تحمل تلك الدول مسئولياتها كاملة تجاه الأزمة.
الشاهد أن القصة ليست بالجديدة وأن ارتفاع درجة حرارة الأرض قد بدأ فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى، بعد أول تراكم لمسببات الاحترار الذى استمر قرابة قرن صناعى بدأ عام 1850م، واستمر هذا الارتفاع ليصل عام 2022 لزيادة بمقدار تجاوز 1.5 درجة مئوية، والآن فى عام 2023 تسجل بعض المناطق ارتفاعا فى الاحترار بلغ 2 درجة مئوية، وأشدها تأثرا القطب الشمالى الذى يعانى احترارا أسرع بمعدل 4 مرات من أى منطقة على سطح الأرض.
الحياة على الأرض تزداد صعوبتها وقسوتها مع الزمن بالنسبة لمختلف الأنواع والكائنات الحية وليس البشر فقط، فهناك 30٪ من البشر يعانون الآن من درجات حرارة غير محتملة لقرابة 20 يوماً فى السنة، يؤدى بنسبة 70٪ إلى التعرض للوفاة، وهذا موثق علميا فى مجلة انيتشر كلايمت تشينجب فى دراسة نشرت فى عام 2017، هذه النسبة سترتفع إلى 48٪ من البشر المتعرضين للحرارة العالية بحلول نهاية القرن الحادى والعشرين هذا فى حال إيفاء العالم بالتزاماته تجاه قضية الاحترار، وفى حال العكس فستكون النسبة قرابة 74٪ من البشر سيرزحون تحت وطأة تأثير حرارة لا يمكن احتمالها، ناهيك عن نفوق وانقراض أنواع عديدة من الأحياء خصوصا المائية، بمعنى القضاء بشكل تدريجى على التنوع الأحيائى.
وبعد كل هذه الأرقام والبيانات المفزعة التى تخرج عن مراكز علمية عالمية وفى ظل كل ما يقاسيه العالم من آثار مدمرة للتغير المناخى، لا زال هناك من يشكك فى حقيقة هذا التغير وجدية مخاطره.
الضرورة تقتضى أن تكون هناك أهداف جديدة وطموحة لخفض الانبعاثات القومية من الدول الأعضاء فى مجموعة العشرين، وهى عبارة مأخوذة من نص كلمة الأمين العام للأمم المتحدة وهو يوجه أصابع الاتهام إلى دول بعينها دون أن يسميها.
ولابد أن يكون الوصول إلى حد اصفر انبعاثاتب، هدفا عالميا بكل السبل فى أبسطها مثلا منع الهيئات المالية من إقراض الوقود الأحفورى، والتوجه نحو الطاقة النظيفة والمتجددة، وتشييد دفاعات ضد الفيضانات أو تصميم مدن تواكب الحرارة الشديدة، وعلى الدول المتقدمة تقديم خارطة طريق لمضاعفة التمويل لتحقيق التكيف بحلول عام 2025.
ليس تشاؤما ولكن علميا تعد العودة إلى مناخ مستقر ذو درجات حرارة بمتوسط أقل من 16 درجة مئوية أمرا مستحيلا، لكن على العالم أن يكافح للعودة بمتوسط درجة حرارة لا يتجاوز 17 كما وصفها الأمين العام للأمم المتحدة.