لوجه الله
للأسف الشديد.. لا تزال الفتاوى العشوائية المتسرعة تتردد في بعض وسائل الإعلام، وتتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتواصل عملية التحريض بين الزوجين، وتعمق من الخلافات الزوجية دون وجود ما يستدعي ذلك سوي ظهور أصحابها في وسائل الإعلام، وحديث الناس عنهم حتى ولو كان بما يسيئ إليهم!!.
كل من درس الشريعة الإسلامية من مصادرها الصحيحة، وعلى يد علماء مستنيرين يدرك جيدا أن العلاقة الزوجية تقوم على التعاون والتكامل بين الزوجين.. وأنها شراكة متكاملة بين شخصين جعل الله بينهما من وشائج التعاون والتراحم والعمل المشترك ما يحقق مقصود الزواج الذى أشار إليه الحق سبحانه وتعالى فى قوله :"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".. وبالتالى فإن كل فتوى تتسبب فى نزاع وشجار وتحدث فرقة بين الزوجين فهى فتوى باطلة، ولا علاقة لها بشريعة الإسلام، فالفتوى وسيلة إصلاح وتوجيه وتوعية بحكم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون حكم الله ضد الوفاق والتعاون والتكامل بين الزوجين.
**
لقد أكد كبار علماء الإسلام عبر العصور أن الفتوى أمانة ومسئولية، وبالتالى تحفظ كثير منهم- رغم علمهم الوافر- فى الفتوى انطلاقا من أن لها مقومات خاصة ينبغى أن تتوافر فى من يتصدى للافتاء، ومن أقوال الإمام الشافعى رحمة الله:( رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب) وهو قول يدفع كل هؤلاء الذين يتسرعون فى الافتاء الى مراجعة أنفسهم والكف عن هذا الهوس الذى يسيطر على دعاة شباب غير مؤهلين للفتوى الى مراجعة أنفسهم، بل الأولى أن تراجعهم جهات عملهم فى المؤسسات الدينية التى يعملون فيها حتى لا يتورطوا ويورطوا مؤسساتهم فى فتاوى غير منضبطة من شأنها أن تشغل الناس، وتلقى بظلال قاتمة على صورة الشريعة الإسلامية فى عيونهم، وهى فى حقيقتها صورة ناصعة البياض، ولا ينبغى أن تتحمل عبث أفراد يبحثون عن الشهرة و(الترند) فى عصر سيطر فيه هذا الهوس على عقول الكثيرين.
لقد أكد العلماء أن المفتى غير الداعية، ولكل منهما مهامه وواجباته، فليس كل مفتى يستطيع أن يوصل معلوماته للناس أو يملك مهارات الداعية، وليس كل داعية لديه القدرة على الفتوى.. فلماذا لا يتفرغ كل منهما لمهامه المنوطة به ويعطى فى ميدانه ما هو مطلوب منه؟ لماذا يتصدر دعاة شباب تابعين للأزهر أو الأوقاف للافتاء فى أمور اجتماعية وقضايا أسرية ويثيرون جدلا وخلافا بين الناس؟ ومن أين جاء الداعية الشاب بفتوى أن "الزوجة ليست ملزمة بعمل كوب شاى لزوجها"، ولو صح وأن هناك فتاوى لا تلزم المرأة بخدمة بيتها وزوجها، فهل يدرك هذا الداعية أن التعاون بين الزوجين فى الأعمال المنزلية سنة نبوية كريمة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألزم إبنته فاطمة بالأعمال المنزلية فى بيت زوجها على بن إبى طالب رضى الله عنه، وألزم زوجها بالعمل خارج المنزل؟
مؤسساتنا الاسلامية تمتلك مراكز تدريب وتأهيل عالمية للدعاة والمفتين، وعليها أن تضع قواعد يلتزم بها الجميع حتى لا يحدث هذا الخلط المريب بين (الدعوة) وهى تعنى الارشاد والتوعية والتوجيه الدينى، وبين (الفتوى) وهى تعنى استخلاص الأحكام الشرعية الصحيحة المنضبطة بضوابط الشرع ونقلها للناس.
صحيح.. هناك نماذج من العلماء تمتلك القدرة على الدعوة والافتاء، ولديهم ثقافة شرعية واسعة تمكنهم من الافتاء، ولديهم مواهب دعوية، لكنهم يمثلون نسبة قليلة جدا من العاملين فى الساحة الدينية المعاصرة.. ومن هنا وجب إلزام كل من الداعية والمفتى بعمله دون اقتحام مجالات لم يتأهل لها جيدا.
**
بقيت كلمة وهى أن هناك فارق كبير بين توعية المرأة المصرية بحقوقها، وتوظيف العديد من البرامج الفضائية للدفاع عن تلك الحقوق.. وبين التحريض الذى تمارسه بعض البرامج النسائية على التمرد والعصيان على الزوج.. فارق كبير بين حق المرأة فى حياة زوجية مستقرة تنعم فيها بالحب والأمان فى رعاية زوج وعواطف ومشاعر أبناء.. وبين زوجة تعيش حياتها فى صراع مع زوجها طوال الوقت نتيجة الانسياق وراء شعارات كاذبة ودعوات تحريضية تنتهى بخراب البيوت.
بعض البرامج النسائية للأسف تحرض النساء طوال الوقت على العناد حتى ولو وصل الأمر الى الطلاق، وقد تعلمنا من ديننا أن الطلاق هو أبغض الحلال عند الله، وأن واجب الزوجة أن تصبر على ما تراه من زوجها طالما أنه لا يمس كرامتها ولا ينتقص من حقوقها، فالزواج فى الإسلام علاقة أبدية بين رجل وإمرأة تقوم على المودة والرحمة، والطلاق استثناء تلجأ إليه الزوجة عندما تصل علاقتها بزوجها الى طريق مسدود.
إرحموا الأسر المصرية من عبث الفتاوى العشوائية المتسرعة ومن تحريض البرامج النسائية فكلاهما يضر بالأسرة ويعرض استقرارها للخطر ويهدد مستقبل أبنائها.
لا يجوز لأحد أن يحرض زوجة على طلب الطلاق، أو تزيين الطلاق فى نظرها، أو ترديد أفكار تحريضية كالتى نستمع إليها من بعض الإعلاميات أو ضيوفهن فى برامج الأسرة، فالبرامج التى تفعل ذلك تضل طريقها، وتسير عكس أهدافها، وتصبح وسيلة لتخريب البيوت، بدلا من ترميم العلاقات الزوجية وطرح أفكار تقرب بين الأزواج والزوجات وتحمى الأسرة من الانهيار.