انتهت اعمال القمة الروسية الأفريقية 2023 في وقت يعيش فيه العالم مرحلة مخاض بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيًا ،بما يساهم في انهاء حقبة العالم احادي القطبية والدخول في عالم متعدد الأقطاب.
وشكلت القمة الروسية الأفريقية الثانية، حلقة من حلقات التنافس الدولي والأقليمي في القارة السمراء التي أضحت مسرحا للصراع على النفوذ بين القوى العظمى تارة بالسعى للحفاظ على مناطق نفوذها كما هو الحال بين بكين وموسكو وواشنطن، وتارة بالتمدد لتحقيق مكاسب جديدة في القارة الأفريقية التي تتمتع بالعديد من الموارد الطبيعية والقوى الشبابية.
ونجحت روسيا في رهانها على مشاركة معظم الدول الأفريقية في قمته الثانية، رغم تهديدات الدول الغربية لهذه الدول لوقف التعاون مع روسيا، إكل ذلك يحدث في ظل تصاعد حدة المنافسة وتزايد الصراعات الدولية بين القوى العظمى الباحثة عن موضع قدم أو الحفاظ على نفوذها والتحكم في أدوات الصراع فيما يعرف بـ "الحرب الباردة الجديدة"، التي أفرزتها الأزمة الروسية – الأوكرانية ، وصراعات أخرى يغذيها التنافس الدولي بين الأقطاب العظمى ما يزيد من حدة النزاعات والصراعات ويفاقم أزمات الدول الأفريقية التي تشهد تداعيات أمنية وسياسية لتأتي القمم كمساحة لتوظيف هذه العلاقات وتقنينها بصورة أكثر وضوحا.
ومن الضرورى الإشارة الى ان روسيا ترى أن الوضع الجيوسياسي الحالي يتطلب تصحيحا معينا لآليات التفاعل مثل العمل على طرق سداد المدفوعات بالعملات الوطنية لتقليل تكلفة التجارة بين البلدان.
وفي المقابل الدول الأفريقية تدرك أنه لا يمكن الاستغناء عن دور الروس، خصوصا مع سيطرتها على الجهات المانحة والعلاقات الدولية، دون الإخلال برؤيته لتبادل المصالح مع إدراك التقاطعات والتجاذبات بين جميع الأقطاب المتنافسة على القارة، مستوعبين شكل العلاقات التاريخية مع روسيا والمنطلقة ودعمها حركات التحرر من الاستعمار، مما زاد نفوذها في عدد كبير من الدول الأفريقية.
ويبدو أن التوجه الأفريقي شرقا يعبر عن رغبة في التعامل مع الروس، تكشفه ظاهرة التوجه الأفريقي نحو المعسكر الشرقي في تحرك ممهور بقمم ثنائية بين عدد من الدول الأفريقية والصين تارة ودول أفريقية والروس تارة أخرى، من خلال جولات لمعظم الدول الافريقية، عبر قمم ثنائية تهدف في المقام الأول إلى تعزيز العلاقات مع روسيا والصين، مما يمهد لخلق توازن بين المعسكرين الغربي والشرقي في العلاقات الدولية. وهذا تفسره جولات الرؤساء الأفارقة من لدن جنوب أفريقيا وإثيوبيا، مرورا بإرتريا والجزائر أخيرا، كلها جولات لدول أفريقية نحو الشرق عوضا عن الغرب.
وتعد القمة فرصة لتعزيز التعاون الثنائي بين روسيا والدول الأفريقية في مختلف المجالات، بما في ذلك الاقتصادي والسياسي والأمني والثقافي والتنموي. كما يمكن للقمة أن تساعد في تحديد مسار العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية في عالم متعدد الأقطاب، وذلك من خلال التركيز على التعاون الثنائي الذي يعزز الاستقرار والأمن والتنمية في المنطقة.
وتسعى روسيا إلى تعزيز دورها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد تمثل القمة فرصة لتوسيع نطاق التعاون بين روسيا والدول الأفريقية في هذه المنطقة، وذلك من خلال التركيز على المواضيع التي تهم الجانبين، مثل الأمن والتنمية والاستثمار.
وتساعد القمة في تعزيز التعاون الجنوب-جنوب بين روسيا والدول الأفريقية، وذلك من خلال تبادل الخبرات والمعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز العلاقات الثنائية بين الدول الأفريقية أيضا.
في المقابل ، هناك عدة تحديات محتملة يمكن أن تواجه القمة الروسية الأفريقية 2023، ومن بين هذه التحديات ،الامن ..خاصة في ظل التهديدات الإرهابية التي تواجه بعض الدول الأفريقية، وقد تتطلب هذه التحديات تأمين الحدود والمساعدة في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. وهناك تحد اخر في اللغة، حيث تختلف الثقافات واللغات بين الجانبين، وقد يتطلب ذلك جهودًا إضافية لتسهيل التواصل وحل أي سوء فهم.
ومن ضمن التحديات هناك الوضع الاقتصادي العالمي الذي يمكن أن يؤثر على قدرة الدول الأفريقية على الاستثمار والتعاون. وسياسي قد تواجه القمة بعض التحديات الجيوسياسية، مثل الصراعات بين الدول الكبرى، مما يمكن أن يؤثر على قدرة الدول الأفريقية على تحقيق مصالحها في القمة.
وفى ظل تراجع الاهتمام الأمريكي بقضايا المنطقة وافريقيا بشكل عام فان فرصة روسيا على تعزيز التبادل التجاري مع الدول الأفريقية تبدوا جيدة وفى افضل حالاتها خاصة مع تزايد النفوذ الروسي والصيني على حساب الاستثمارات الأميركية ،وذلك من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وزيادة حجم التبادل التجاري بين الجانبين. وحاليا تعمل روسيا على تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية في مجالات الطاقة، مثل النفط والغاز والطاقة النووية والطاقة المتجددة. كما تشجع روسيا الاستثمار في الدول الأفريقية وتقديم الدعم للشركات الروسية للمشاركة في مشاريع البنية التحتية والتنمية في الدول الأفريقية. وتسعى روسيا إلى تعزيز التعاون الثقافي والتعليمي مع الدول الأفريقية، وذلك من خلال تبادل الخبرات والمعرفة في مجالات مختلفة، مثل الثقافة والتعليم والعلوم والثقافة الرياضية.
ويمتد التعاون الروسي مع الدول الأفريقية الى مجال الصحة، وذلك من خلال تقديم الدعم والمساعدة في مكافحة الأمراض المعدية وتحسين الرعاية الصحية في الدول الأفريقية.
بالطبع هذه التحديات ليست مطروحة بشكل حصري وقد يواجه القمة تحديات أخرى، ولكن يمكن التغلب على هذه التحديات من خلال التعاون الفعال بين روسيا والدول الأفريقية وضمان نجاح القمة وتحقيق أهدافها.
بما أن العالم يتجه نحو تعدد الأقطاب وزيادة التعاون الثنائي بين الدول، فإن القمة الروسية الأفريقية 2023 تمثل فرصة مهمة لتعزيز التعاون بين روسيا والدول الأفريقية في هذا السياق المتغير، وتحقيق الاستقرار والتنمية في المنطقة. اما الرسالة الأهم للقمة مفادها تذمر أفريقي من السياسات الغربية نحو القارة السمراء، أو ربما وجد الأفارقة بغيتهم في الشرق المتمثل في الصين وروسيا مقابل السياسات الغربية التي ما عادت تقنع الأفارقة.