لحظة تمرد :
منذ ايام لحق شاعرنا وكاتب الاطفال شوقى حجاب باخيه الشاعر الكبير سيد حجاب ..
لم يفقد عم شوقى طفولته حتى أخر نفس.. عاش فى وجدان الاطفال من خلال الشخصيات التى أبتكرها وفرح بها الكبار والصغار في مصر والمنطقة العربية ، من فينا لم يحب بقلظ وأرنوب وكوكي كاك و"دقدق" و "ضاضا العضاضة و مثل "بسبس هو، فركش وفرفوشة "
البدايه كانت فى بحيره المنزله فى مدينه المطريه بمحافظ الدقهليه ، وتعلم مع شقيقه سيد حجاب نظم الشعر من والدهما الأزهري الذي كان يكتب الشعر ويعشق الثقافه .. الكثير منا عاش واحتضن شخصية "دبدوب" حيث الدب طيب القلب الذى يفاجئ المحيطين به بأفعاله وأفكاره و يحمل معه دائما صندوقا يضع به أشياء متنوعة، وشخصية "دقدق" وهو خيال مآته لشخصية غير مصرية ابتكرها شوقي حجاب، وتحلم دائما وتكره أن يعاملها الناس كخيال مآته، وتتمنى أن يتعاملوا معها ككائن له قيمة وشخصية محترمة.
أيضا ابتكر حجاب شخصية "ضاضا العضاضة" وهي فأرة قراضة تخطف أي شيء من حولها وتحاول أن تبدو في منتهى البراءة، وشخصية "الغزالة لا لا" بطلة المسرحية التي تحمل اسمها، وهي عبارة عن عروس من القفاز، تعيش فى مجتمع متخلف لقبيلة متزمتة، تُحرم السهر والغناء والتعليم والكهرباء.
واعترف أن علاقتى بشقيقه سيد حجاب او عم سيد كما كنت احب ان اناديه كانت اقوى وكثيرا ما سافرنا فى الاقاليم معا وكان موسوعه ثقافيه رفيعه ومتنوعه ، شاعر له حس سياسى نادر
• "لو مت ع السرير ابقوا احرقوا الجسد....ونطوروا رمادى ع البيوت....وشوية لبيوت البلد....وشوية ترموهم على تانيس....وشوية حطوهم فى إيد ولد ....ولد أكون بُسُته .. ولا أعرفوش"
هكذا كتب عم سيد وصيته ووصيتنا قبل أن يرحل ... و لم ننفذها ..عاش وغنى ومات مع جنياته قبل أن يحملنه إلى بحور البقاء الأبدية بعد أن ظل غارقا معها فى بحور الشعر ...
• “خليك هنا وحاسب....جبال المغماطيس ....خليك شديد مهما يكون الليل غطيس.... ”
• سكن الكل معه فى بيت اشعاره ، الكل معه ذكرى أو موقف ، أو سكن فى بيت من شعره وعاش فيه ومعه :
• ولو أموت .. قتيل – وأنا من فتحة الهويس بافوت -ابقوا اعملوا من الدما حنة....وحنوا بيها كفوف عريس....وهلال على مدنة....ونقرشوا بدمى.... - على حيطان بيت نوبى تحت النيل – اسمى"
• حفر الشقيقان مكانا بأشعارهما فى قلوبنا جميعا منذ الستينات من القرن الفائت ، جاء عم سيد بجنياته إلينا من بحيرة المنزلة ليتقابل مع القادم من صعيد مصر ب"عبله وطينه" اقصد عبد الرحمن الأبنودى ليلتقيا معا فى محراب صلاح جاهين وليفترقا بشكل عنيف فى نهايات العمر ...البداية بالدقهلية في 23 سبتمبر 1940.. هناك بالمطرية بالقرب من بحيرة المنزلة ، ملهمته بجنياتها وبأغانى الصيادين التى شكلت ديوانه الوجدانى الأبدى :
• “الشمس فاكهة الشتا ...الحب .. فاكهة الربيع....مين يشتري حكمة حياتي الميتة ....ويردني رضيع ؟”
كان والده بمثابة المعلم الأول له في عالم الشعر، البداية في جلسات المصطبة الشعرية حول الموقد في ليالى الشتاءالباردة وما أدراك البرد فى بيوت نائمة حول البحيرة .. يتابع الأب والصيادين وهم يتدفأون برداء الشعر من البرد" الرصاص" الذى يعرف مقصده فى العضم ، ويعزفون بموسيقاه ويبحرون بصوره وحكمه فى بحار الليل الممتدة إلى آذان الفجر ، وكان الفتى يجلس مشدودا باذنه وقلبه "الأخضر" ، وبيده الرقيقة يدون كل ما يقوله الصيادون ، و بعدما تنفض الجلسة يبدأ هو فى تقليد ما سمعه ويحاول محاكاتهم ، وكان يخفى ما يفعله عن والده خوفا من حرمانه من الجلوس مع الكبار ، حتى تجرأ ذات ليلة وأطلع أباه على أول قصيدة كتبها عن شهيد باسم "نبيل منصور".. وكانت المفاجأة تشجيع والده على الإبحار فى بحور الشعر .. فهى أرحم على أية حال من الغوص مع الصيادين فى غياهب بحيرة المنزلة ..
• " مين دى اللى ماشيه ع الشطوط بتنوح؟ ... مين دى يارجاله؟ .. أم الشعور ... محلولة لكعوبها ....أم القدم حافية.. وعمالة.. ... ينقل تراب الشط ديل توبها... مين دى؟ .....أهيه قربت.. اها.!! ...أيوه عرفتك أه.. يا جنيه ...صياد أنا والبحر يعرفنى ... مهما يصرخ لم يخوفنى...عارفه.. دا ابويا.. ... وخطوته فى الخير ومرجوعه...ليا.. بايد حنيه.. ..... ويطبطب على قلوعى...مرجوعه أبويا ليا.. ... .. وانا لابا مرجوعى...صياد انا.. ... صياد انا والبحر فى ضلوعى ...والموجه ناى.. ... فى الليل يونسنى...وناس يا ناى الموج.. ياأناته ... سمعنى عن بحرى.. وغنى لى حكاياته ..."
عرفته قبل أن أراه وغنيت معه على حنجرة على الحجار وعفاف راضى وعبد المنعم مدبولى لكن تأخر اللقاء الشخصى سنوات وحين بدأت المشوار الصحفى وقف الأبنودى بشكل لا مرئى فى طريق اللقاء و تكرر الموقف الأبنودى ايضا من الالتقاء مع أحمد فؤاد نجم... نعم لم تكن هناك فرمانات أبنودية مباشرة ، لكن كانت اللقاءات والجلسات معه فى القاهرة والمحافظات تشى بذلك وعرفت منها و من الأصدقاء أن الثلاثة لا يطيقون بعض ولا يجتمعون فى مكان واحد ... لماذا ؟ ... الإجابات غائمة من الثلاثة ولا تقنعنى ، وفى إحدى المرات تجرأت عندما جمعتنى إحدى السفريات الطويلة مع سيد حجاب أن اسأله بهمس وأنا جالس بجواره لماذا لا تحب الأبنودى؟ ... صمت وبدأ يسرد حكايات لم تقنعنى ... وحين عدت من السفر وفى أول لقاء جمعنى مع الأبنودى سألته نفس السؤال ... وكانت الإجابة غير مقنعة لى .. لكن الذى عانيت منه أننى كنت محسوبا على الأبنودى للدرجة التى قالها لى سيد حجاب وأحمد فؤاد نجم مباشرة مع فؤاد قاعود : بأننى أبنودى الهوى .. ورسخ من ذلك دفاعى الحار عن الأبنودى وشاعريته فى كل محفل ومجلس ونشرى لكل قصائده الجديدة فى العدد الاسبوعى للجمهورية، وللأمانة كان يفضلنى عن الكثير من الأصدقاء من كبار الصحفيين ورؤساء تحرير بعض الصحف للصداقة بيننا ولنجاح صفحة نادى أدباء الأقاليم التى كنت أشرف عليها ... المهم ظلت العلاقة فاترة على المستوى الشخصى مع نجم وحجاب حتى وخزنى ضميرى المهنى عن خسارتى الصحفية والإنسانية أيضا إذا لم أصاحب ضلعا مثلث العامية المصرية نجم وحجاب مثلما هو الحال مع الأبنودى ، و ساقتنى الأقدار ودبرت بعضها للقاء فؤاد نجم وأكثر من لقاء مع حجاب ونشرت لهم قصائدهم وحوارات معهما فى الجمهورية تارة أو بأحاديث ودودة عبر التليفون معهما أو بالتسجيل بالفيديو وكان الأبنودى يدارى انفعاله أحيانا و يرمى ببعض كرات اللهب فى أحيان أخرى وكنت أرد عليها بسخرية شديدة ترطب الأجواء كثيرا : من عينة والله سيد حجاب كتب تتر مسلسل هايل أو له قصيدة منشورة وهكذا ، ولا انسى أننى تعرضت لحرج شديد مع الأبنودى حين استشهدت فى مقال لى بمقطع من تتر مسلسل أبى العلا البشرى :
"لو مش هتحلم معايا....مضطر احلم بنفسى....لكنّى فى الحلم حتى....عمرى ما ح أحلم لنفسى... "
واشدت ب سيد حجاب باعتباره صاحب الأغنية من وجهة نظرى باعتباره جو حجاب الشعرى بلا مواربة.. وبعد نشر المقال فوجئت باتصال تليفونى من الأبنودى يشيد فيه بمقالى واستشعرت أن هناك مقلب ما لأنه لا يعقل أن يشيد بمقال استشهد فيه بمقطع لغريمه سيد حجاب ، وكانت المفاجأة قوله أنا مبسوط إنك معجب بهذه الأغنية وأضاف ساخرا ورغم أنك معجب بها لأنك تصورت أنك بتغيظنى إلا اننى اغيظك واقولك انا فرحان باعجابك لأن الأغنية بتاعتى ...وقهقه قائلا: فرحتنى من حيث لا تريد .. والحقيقة ظننت أنه مقلب أابنودى لكنه أقسم ولم يكن وقتها النت وجوجل موجود للتأكد ، وبعدها ذهبت لأرشيف الجمهورية وبحثت حتى تأكدت من صدق الأبنودى فاعتذرت فى مقال الإسبوع الذى يليه لكن مازالت ضحكاته الشامتة ترن فى أذنى حتى الآن!!
[email protected]