رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

أسعدتنا كثيرا نتيجة امتحان الثانوية العامة هذا العام، فانخفاض شرائح درجات الطلاب الناجحين تؤكد أن هناك جدية أكثر فى الامتحانات سواء فى مرحلة وضع الأسئلة واختيار نوعياتها للوقوف على المستوى الحقيقى للطلاب، أو فى مرحلة التصحيح حيث يأخذ كل طالب ما يستحقه من درجات دون ظلم لأحد.. كما أسعدتنا جميعا إجراءات الوزارة لمنع الغش الجماعى ومعاقبة كل من يتورط فيه وإعلان ذلك للناس بكل شفافية.
نتائج امتحانات الثانوية العامة هذا العام منطقية وطبيعية جدا، وهى تنبأ بانتهاء مرحلة المجاميع الخرافية التى كان يحصل عليها الطلاب، ثم لا يستطيعون بها تحقيق رغباتهم، فقد عادت كليات القمة لتقبل طلابا من الحاصلين على 95% فما أقل، وهذا أمر يسعد كل الأسر التى كافح أبناؤها طوال العام وأصبح لهم نصيب فى الكليات التى حلموا بها وتطلعوا إليها.
أيضا.. أسعدتني كثيرا نتيجة امتحان السنة الأولى بكليتى الطب بجامعتى أسيوط وسوهاج هذا العام والتي كشفت عن رسوب ٦٠٪ من الطلاب المصريين والوافدين فى السنة الأولى بالكليتين بسبب غياب بعضهم، وعدم جدية البعض الآخر.. ومصدر سعادتي ليست حبا في الرسوب، ولا رغبة في فشل أبنائنا الطلاب.. ولكن حرصا على سمعة التعليم المصري وجديته؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بتخريج أطباء يعالجون أمراض الناس، ويسعون لتخفيف الآمهم.
ما ضاعف من سعادتي هو ثقة عميدى كلية الطب د.علاء عطية ود.مجدى القاضى وهما يؤكدان في المداخلات الإعلامية أن الكليتين حريصتان على جودة التعليم، أكثر من حرصهما علي تكثير أعداد الخريجين.. وأن جدية الكليتين في التعامل مع العملية التعليمية ثابتة ولن تتغير.
والواقع أن ما أسفرت عنه نتيجة الثانوية العامة هذا العام، وما فعلته كليتى طب أسيوط وسوهاج بعث في نفوسنا الطمأنينة، وزاد من جرعات الأمل في مستقبل التعليم المصري، والحرص على سمعته؛ خاصة في هذا العصر الذي تتعامل فيه العديد من الدول مع قضية التعليم بمنظور تجارى بحت، بعيدا عن سمعة التعليم في بلادها، وهو ما يثير علامات استفهام كبيرة حول سمعة مؤسساتها التعليمية، وقد كشفت أزمة الحرب الروسية فى أوكرانيا أن كثيرا من الشباب العربى- ومنهم بالطبع مصريون- كانوا يذهبون الى أوكرانيا باستمرار للحصول على شهادات علمية فى الطب، ويعودون وهم دون مستوى نظرائهم خريجى كليات الطب فى مصر.. كما كشفت أزمة السودان أن عددا من الشباب المصرى ذهبوا الى هناك للحصول على شهادات علمية فى الطب والهندسة وهم يحملون درجات منخفضة فى الثانوية العامة بعد أن فقدوا الأمل فى الالتحاق بالجامعات المصرية الحكومية والخاصة.
**
التعليم المصرى كان ويجب أن يظل من مظاهر فخرنا، فما زلنا نقرأ ونسمع عن شخصيات بارزة من مختلف دول العالم تعلمت فى مصر سواء فى الأزهر الشريف أو فى التعليم العام، ولا تزال تفتخر بتلقى تعلميها فى مصر.. ومن هذه السمعة الطيبة للتعليم المصرى انتشر المدرسون والأساتذة الجامعيون فى العديد من دول العالم وخاصة فى المنطقة العربية، وحققوا نجاحا كبيرا، وجلبوا بجديتهم ونبوغهم الكثير من المنافع الاقتصادية لمصر.. كما كانوا أفضل سفراء لمصر فى البلاد التى انتشروا فيها.. وما زلت أذكر عبارة لأحد عمداء الكليات السعوديين فى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والتى عملت بها أربعة سنوات محاضرا بقسم الصحافة والاعلام عقب تخرجى مباشرة وهى:" لقد حرمنى الله من السفر للتعلم فى الأزهر ولكن عوضنى الله أن حصلت على درجاتى العلمية كلها على يد أساتذة وعلماء مصريين وسأظل أفتخر بذلك" وكان هذا الرجل يعامل أساتذة وعلماء الأزهر بمزيد من الاحترام والتقدير.
لذلك.. فإن كل الخطوات والاجراءات التى تتخذها المؤسسات التعليمية المصرية لضمان جودة التعليم ينبغى أن نرحب بها وندعمها.. وقد تابعت ردود أفعال كثير من المهتمين بالتعليم المصرى عموما، والتعليم بكليات الطب على وجه الخصوص على نتيجة السنة الأولى بطب أسيوط وسوهاج، ووجدت معظمهم سعيدا بالنتيجة التى أعلنت عنها الكليتين، ويدعمون توجهاتهما للحفاظ على جودة التعليم.. وهذا أمر يدعم كل الجامعات التى تسعى الى الحفاظ على جودة التعليم بها، وهذا التوجه فى حد ذاته سيغرى العديد من الدول المجاورة الى إرسال أبنائها للتعلم فى مصر، حيث لا توجد دولة تريد إهدار أموالها وإضاعة مستقبلها فى تعليم شكلى لا يحقق تنمية، ولا يحل مشكلة من مشكلاتها، كما سيشجع هذا التوجه كثيرا من الأسر العربية على إقناع أولادها بأهمية الذهاب الى مصر للتعلم فى الطب وغيره، حرصا على مستقبلهم العلمى، وتفوقهم فى تخصصاتهم.
مصر تمتلك من الإمكانات التعليمية ما لا تمتلكه دول عربية كثيرة، وينبغى أن نضاعف من الاجراءات التى تضمن جودة التعليم والارتفاع بمستوى المتعلمين فى مصر.. وينبغى أن يكون التعليم أحد المحاور المهمة للتنمية الاقتصادية فى مصر عن طريق جلب متعلمين جادين للدراسة بجامعات مصر ومعاهدها العامة والخاصة، وأن نرفع شعار ( تعليمك فى مصر) ونروج له فى كل البلاد العربية والأفريقية، فالتعليم أصبح منتجا جيدا للتصدير لا يقل أهمية عن المنتجات الزراعية والصناعية بل يتقدمها ويتفوق عليها.
**
التعليم فى مصر يحتاج الى تعريف أكثر به على المستوى المحلى والاقليمى والدولى، كما يحتاج الى حوافز جديدة ودعاية واسعة لتعريف إخواننا العرب والأفارقة بما تمتلكه مصر من إمكانات وقدرات تعليمية فى مختلف التخصصات، ففى مصر مناخ أفضل للتعليم، ونفقات أقل للمتعلمين الأجانب.. وهذا الملف ينبغى أن يكون على خريطة أولويات الحكومة الآن، الى جوار ملفات السياحة والعلاج فى مصر، فلن تحل مشكلات مصر الاقتصادية بالاهتمام بالزراعة والصناعة والتنمية العمرانية وحدها.. لكن الحل سيكون إن شاء الله عن طريق حزمة متكاملة من الاجراءات التى تسهم فى زيادة دخل مصر من العملات الأجنبية وتحقق لها فى الوقت نفسه الريادة الحضارية التى عرفت بها على مر العصور
مصر تمتلك المقومات الأساسية لكى تكون الخيار الأفضل لكثير من طالبى التعليم الجاد والعلاج الآمن والسياحة الترفيهية الممتعة.. فضلا عن الاستثمار الجيد فى مختلف المجالات.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة