عيون الشعب
نستكمل اليوم مشوار حياة على باشا مبارك .. كنموذج نقدمه امام هذه الأجيال .. ليتعلموا اعظم دروس الحياة .. ان الإرادة والتصميم على النجاح وتحقيق الحلم.. لا تعرف سوى الانتصار على الصعوبات والمعوقات .. ان الله لا يضيع اجر من أحسن عملا .. قرر على مبارك الصبى الصغير الذى لا يتجاوز عمره ١١ سنة .. ان يدخل المدارس .. فالحكام انما يختارون من المدارس .. ان الطفل على مبارك .. قرر ان يتخلص من حياته المؤلمة .. بعد ان لمس وشاهد وعايش الفارق الضخم .. بين حياة الحكام .. وحياة الفلاحين .. وينطلق الى مدرسة القصر العينى .. وكانت مدرسة شاملة .. قبل تخصصها فى الطب .. ويلتقى وهو فى الطريق بتلاميذ كتاب قرية ميت ابو العز مركز فاقوس شرقية .. وتحدث معهم .. ورأوا خط على مبارك احسن من خطوطهم .. فقالوا بعضهم لبعض .. لو لحق هذا بالكتاب ( المكتب ) لكان جاويش اى اكبر الصبية وانبههم بالرغم من انها اصلا رتبة فى الجيش .. ويسألهم على مبارك ما الجاويش؟ وما الباشجاويش ؟ .. حاول التلاميذ اغراء على مبارك الالتحاق بهذا الكتاب ( المكتب ) .. افهموه ان النجباء منهم ينتقلون الى المدارس بلا واسطة .. هنا وجد على مبارك هدفه .. وبسرعة قرر الذهاب معهم .. وعندما دخل الكتاب .. وجد ناظره من معارف والده .. فأراد منعه من الانتظام فى الدراسة لإرضاء والده .. ولم يلتفت على مبارك لكلامه .. وبعد ١٥ يوما ارسل الناظر لوالده .. وقال الناظر للأب .. ان ابنه راغب جدا .. وأنه قال له .. ان لم تكتبنى فى المكتب ( الكتاب ) فسوف اشتكيك .. ويختطف الأب ابنه ويعود به الى بلدتهم .. والاكثر من ذلك يحبسه فى البيت عشرة أيام .. ووالدته تبكى وتستعطف على مبارك .. الا يغادرهم او يفارقهم وتحلف باغلظ الايمانات .. بأن يرجع عن أفكاره بالذهاب الى المدرسة .. ويتظاهر على مبارك بالرجوع عن ذلك .. ارضاء لخاطرها .. وبدأ على مبارك يرعى غنم والده .. وابعدوه عن حرفة الكتابة .. التى ربما تكون سببا لفراقهم .. وبقى على مبارك على هذا الحال .. حتى اطمأن الاهل .. وظنوا انه لا يفكر فى الذهاب للمدرسة .. بالرغم من انها لا تفارق على مبارك طوال الوقت .. وينتهز على مبارك الفرصة فى إحدى الليالى القمرية .. وبعد ان نام كل من فى البيت .. ويجمع ادواته الكتابية كالدواية .. ويخرج متسحبا خائفا .. ويتوجه الى ميت العز .. سيرا على الاقدام .. ويشاهده الناظر مع الأطفال فى داخل المكتب ( الكتاب ) وخشى على مبارك الخروج نهائيا من الكتاب ليلا او نهارا .. مخافة اختطافه .. ويحضر والده وحاول مع الناظر عمل مختلف طرق التحايل لاختطافه .. لكنهما فشلا .. وأخذ الأب يتردد على المكتب .. أملا فى اخذ على مبارك معه للبلد .. دون جدوى .. حتى جاء عصمت افندى المسئول عن اختيار نجباء التلاميذ الى القصر العينى .. وكان على مبارك من ضمن هؤلاء النجباء الذين اختارهم عصمت افندى .. وهنا حضر والد على مبارك .. واشتكى لعصمت افندى .. فقال له عصمت افندى : هذا ابنك أمامك وهو مخير .. وقال عصمت افندى : ماذا تختار يا على .. بدون تردد اجاب على : المدارس .. فى هذه اللحظة بكى الأب كثيرا وحاول بكل الطرق اغراءه واحال عليه بعض من المعلمين وغيرهم .. ليقنعوا على مبارك بالعودة مع والده .. يقول على مبارك : لم اصغ لهم نهائيا .. وكان ما قدر الله ولا راد لما قدره .. ويلتحق على مبارك بمدرسة قصر العينى وعمره ١٢ سنة .. ويفاجأ على مبارك بسوء الدراسة على خلاف ما كان يظن .. وايضا سوء الطعام .. وواجبات الوظائف مجهولة والتربية والتعليم غير معتنى بها .. كما يصفها على مبارك .. وظن على مبارك انه جنى على نفسه فى دخول المدارس .. ويمرض .. ويصاب بالجرب وينقلوه للمستشفى .. وتراكمت عليه الأمراض .. حتى يأسوا من حياته .. لكن الله سلم .. وفى اثناء ذلك يحضر الأب .. ويمنح بعض الممرضين حوالى ٥٠ قرشا ليسمحوا له بخروج على مبارك من المستشفى سرا .. قام الممرض بكسر الشباك الحديد بالحجرة .. وأخبر على مبارك بأن والده ينتظره خارج المدرسة وأراد ان ينزله من الشباك .. ويقول على مبارك : مالت نفسى لاجابته والذهاب مع والدى وترك المدارس وأهلها لما رايته من الشدائد وعدم التعليم وما لحقنى من الجوع فى المستشفى لدرجة اننى كنت امصمص العظم الذى يلقيه الآكلون !! لكننى فكرت فى عاقبة الهروب .. فإنهم كانوا يطلبون من يهرب من التلاميذ ويقبضون على أهله ويقيدونهم ويهينوهم .. هنا امتنعت عن الخروج وقلت للممرض : بلغ والدى السلام وسله ان يدعو لى وان يبلغ والدتى عنى السلام .. ودخل والدى عندى .. وقبلنى وقبلته وبكى وبكيت .. ثم ودعنى ومضى لسبيله .. وعدت للمدرسة .. وبعد عام كامل .. نقلوا التلاميذ الى مدرسة ابو زعبل .. وجعلوا قصر العينى خاصة فقط بالطب .. وعندما تولى المرحوم ابراهيم بك رأفت نظارة مدرسة ابو زعبل .. اعتنى بالتعليم .. وبعد ثلاثة سنوات من الدراسة .. جمع المرحوم ابراهيم بك رأفت متأخرى التلاميذ فى الهندسة والحساب والنحو .. وكان على مبارك منهم .. جعلهم الناظر فرقة مستقلة .. وجعل نفسه هو المعلم لهذه الفرقة .. وبسبب شرحه الواضح السهل .. اصبح على مبارك اول فرقته .. وكان الناظر .. يضرب المثل بعلى مبارك ويجعل تفوقه على يديه برهانا على سوء شرح المعلمين .. وبعد ٤ سنوات اختاروا بعض التلاميذ من المتفوقين للذهاب لمدرسة المهندس خانة ببولاق .. وكان على مبارك منهم .. فأقام بها خمس سنوات .. وجاء الأول طوال الدراسة على المدرسة .. درس خلالها الجبر والميكانيكا والديناميكا وتركيب الآلات والتفاضل وعلم الفلك وعلم الهيدروليك وعلم الطبوغرافيا والكيمياء والطبيعة والمعادن والجيولوجيا والهندسة الوصفية وقطع الأحجار والأخشاب والقسمو غرافيا ( علم هيئة الدنيا ) .. كان التلاميذ يكتبون الدروس من شرح المعلمين .. لعدم وجود كتب .. ويقرر محمد على باشا إرسال مجموعة من اوائل المدارس للسفر الى فرنسا .. وكان على مبارك منهم .. وفى المقال القادم بإذن الله نتعرف على ما استفاد منه على مبارك ورفاقه فى فرنسا .. وهو فى طريقه لتحقيق حلمه بإرادة حديدية .