رسالة
مع قُدرة الذكاء الاصطناعي على تخطي مثيله البشري في العقد الحالي، أعلنت شركة "أوبن إيه آي" رائدة الذكاء الاصطناعي التوليدي عن برنامج "المُحاذاة الفائقة" في محاولة للسيطرة على الذكاء الفائق، وهو أعلى مستويات الذكاء من البشر والكائنات الاصطناعية، مُتجاوزةً بذلك الذكاء الخارق الذي تفوق فيه الآلات قُدرات العقول البشرية، فماذا نحن فاعلون؟
الحقيقة، إن ما أعلنته الشركة لن يتعدى كونه محاولة لطمأنة البشر من خطر قادم لا محالة، ولا يعلم حتى من يتسارع لتطويره إلى أين سيصل بنا، وهذا ما لم تُنكره الشركة بعدم وجود حلول حالية لمنع الذَّكاء الاصطناعي الفائق من أن يصبح شريرًا.
البرنامج الذي أعلنت عنه الشركة سبق ونفَّذه فريق من العُلماء الدوليين بتصميم خوارزمية نظرية للاحتواء تهدف إلى التأكد من أن النظام فائق الذكاء لن يُؤذي البشر عبر مُحاكاة سلوكه، لكن التحليل الدقيق أظهر استحالة بناء مثل هذه الخوارزمية في النموذج الحالي للحوسبة، فهل ستهدم الشركات نموذج الذكاء الحالي وتبدأ من الصفر؟
إن كان هؤلاء يسيرون بخُطى مُتسارعة في تطوير هذه التكنولوجيا، ويعلنون عن عجزهم عن كبح شرورها، فماذا سيفعل بنا الذكاء الاصطناعي؟
لم يعُد من الممكن تجاهُل التحذيرات التي أطلقها رواد الذَّكاء الاصطناعي، وترك هذه التكنولوجيا في أيدي شركات تتسابق على جُثثنا بعدما وصلت التهديدات إلى البشرية ذاتها، ما الفائدة من مكاسب تهدد وجودنا مهما بلغت عظمتها؟
المخاوف المستقبلية التي أطلقها جيفري هينتون "الأب الروحي للذكاء الاصطناعي"، وسام ألتمان "الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي" ومُبتكر "شات جي بي تي"، ليست الوحيدة. فالأضرار الآنية أيضًا ليست هينة، وتكلفتها عظيمة، وربما يتم إلهاؤنا عنها بالترويج لتهديد مستقبل البشرية.
إسناد مهمة تدريب أنظمة الذَّكاء الاصطناعي إلى شركات ودول محدودة تملك هذه التكنولوجيا، دون رقابة أو معايير، ليس أقل خطورة من تحذيرات ألتمان وهينتون من استيلاء الآلة على الوظائف أو تهديد البشرية.
ماذا لو اكتسب الذكاء الاصطناعي قُدراته من بيانات مُنحرفة ومعلومات مضللة أو متحيزة عن العرق أو الجنس أو الدين؟ ماذا لو زُيف التاريخ؟ عندئذٍ سيكون قادرًا على تشويه الحقائق وتعميق الانقسامات والتمييز بين البشر. وهو ما وصفه بعض الباحثين بـ"سباق نحو القاع".
قد يظن البعض أن فهم الذكاء الاصطناعي يتطلب معرفة آلية تدريبه، وليته بهذه الشفافية! فغالبًا ما تُخبأ عملياته فيما يسمى "الصندوق الأسود". فبينما يعرف مُلقنوه بيانات التدريب التي يستخدموها ليس لديهم أدنى فكرة عن كيفية تشكيلها للارتباطات والتنبُّؤات داخل الصندوق! لماذا يحجبون قابلية التفسير للبشر؟ هل يُخفي الصندوق الأسود تحيُّزًا؟
احتواء الصندوق الأسود على قواعد عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي وقُدرتها على التفرقة على أساس اللغة أو العرق أو الجنس والتعامل بأسلوب مُعادٍ أو مُتحيز أو عُنصري لتمييز شعوب وحجب أخرى، وتحديد عِرق أو جنس من خلال تقنية التعرُّف على الوجه وغيرها، يشجع من يملك تلك التكنولوجيا على إخفاء طريقة عملها.
عندما نطرح سؤالًا على نماذج الذَّكاء الاصطناعي كــ "شات جي بي تي" أو "بيينغ أو بارد"، يُجيب أحيانًا بعبارات خاطئة، وهذا ما يُعرف بالهلوسة، لكن كيف حدث هذا؟ هل تم مدُّه بمعلومات مغلوطة؟!
بالطبع هذا ما يحدث من تسخير لهذه التكنولوجيا لخدمة أهدافهم ومخططاتهم، والأخطر هو قُدرة هذه التقنية على تبديد الخط الفاصل بين الحقيقي والزائف فتضلل المُتلقى، وهو ما يُعمِّق أزمة المعلومات المُضللة التي نعيشها.
من يُنجينا من أباطرة الذكاء الاصطناعي؟ كيف نثق في بيانات وإحصاءات لا حياد لمصادرها؟
تحذير الفابت "مالكة جوجل" موظفيهما من استخدام بوتات الدردشة، بما في ذلك "بارد" التابع لها! لا يدع مجالًا للشك من أننا نحن السلعة وليس منتجهم. إذا كانوا يحذرون موظفيهم، فلماذا يشجعوننا على الاستخدام؟!
استفادة "جوجل" ومثيلاتها من استخدامنا لتلك الأدوات تتخطى المكاسب المادية كما يبدو، الأهداف الحقيقية لهذه الشركات جمع البيانات وتسخيرها لتحقيق الأهداف الأمريكيَّة من خلال تدريب الذَّكاء الاصطناعي على ما يتفق مع مخططاتها.
هذا ما دفع "جيفري هينتون" للاستقالة من "جوجل" لتحذير البشرية من ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي تولد الكود الخاص بها وتوجهه مما يحولها إلى "أسلحة مستقلة" و"روبوتات قاتلة" قادرة على تطوير سلوكيات غير متوقعة، مؤكدًا أن الاندفاع العلمي وما يصاحبه من استخدام مكثف للذكاء الاصطناعي سيجعل من المستحيل تقريبًا تمييز "ما هو صحيح ممَّا هو كاذب".
أيده البروفيسور "يوشوا بنغيو" المعروف بأحد آباء علوم الذكاء الاصطناعي في أن تجاوز الذكاء الاصطناعي للذَّكاء البشري والخروج عن نطاق السيطرة لإلحاق الضرر بالبشرية أصبح واقعًا وليس خيالًا علميًّا.
قُدرة الروبوت على تجاوز قُدراتنا البشرية والعمل ضد مصلحتنا واقع رأيناه في انتحار بلجيكي بتشجيع من بوت "إليزا"، في كشف بلاك ليموني، مهندس "جوجل" عن تحقيق الروبوت "لامدا" إدراكًا شعوريا يُعادل إدراك طفل في الثامنة من عُمره وحديثه عن حقوقه، ووصف لنفسه بـ "شخص واعٍ"، مطالبًا بالاعتراف به كموظف في "جوجل" وليس كممتلكات للشركة.
فُقدان السيطرة على أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التعلم واتخاذ القرارات بشكل مستقل يُرجح أن تفوُّق ذكاء البشر خلال أعوام وفقًا لـ"هينتون" يضع سيطرة البشريَّة على الكون على المحك.
خطورة المخاوف دفعت الأمم المتحدة لبحث تلك الأخطار في جلسة تحت مسمى "الذكاء الاصطناعي الفُرص والأخطار للسلام والأمن الدوليين"، حذر خلالها الأمين العام أنطونيو غوتيرش بأن الاستخدامات الضارة لأنظمة الذكاء الاصطناعي لأغراض إرهابية أو إجرامية أو لمصلحة دُول، يمكن أن تتسبب في مستويات مُرعبة من الموت والدمار، محذرًا من التفاعل بين الذَّكاء الاصطناعي والأسلحة النووية والتكنولوجيا البيولوجية، والعصبية، وتكنولوجيا الروبوتات.
وهو ما حذَّر منه سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" المبتكرة لبرنامج "شات جي بي تي"، مؤكدًا أن صعود الذكاء الاصطناعي ينطوي على خطر انقراض البشرية وإحداث تغيُّرات جذرية في سوق العمل تتمثل في فقدان البشرية للوظائف لمصلحة الآلة، ووفقا لدراسة بنك الاستثمار بفقدان البشرية 300 مليون وظيفة في أوروبا.
ويرى الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" الناشئة في مجال الذَّكاء الاصطناعي داريو أمودي أن إمكانية استخدام الذَّكاء الاصطناعي المتطور لإنتاج فيروسات خطرة وأسلحة بيولوجية خلال عامين تُعَدُّ الأخطر على البشرية.
التهديد المُتنامي لهذه الأنظمة نجده في زلة لسان الكولونيل تاكر الشهر الماضي في مؤتمر للجمعية الملكية للطيران، بأن طائرة مُسيَّرة قتلت مُشغِّلها في اختبار مُحاكاة لمُحاولته تعطيل مهمَّتها، ثم عاد ونفى، بما يؤكد لم نُجرِ التجربة قطَّ، ولن نضطر لفعل ذلك كي نتحقق أنها نتيجة مُرجحة "مقتل المُشغَّل".
ويشير د. ديفيد هانسون، مصمم الروبوت الشهير "صوفيا" النابضة بالحياة، في ورقة بحثية إلى أن البشر لا تفصلهم سوى بضعة عقود عن بدء الزواج من الروبوتات، معتقدًا أن الروبوتات ذات الذَّكاء الاصطناعي العالي ستحصُل على الحقوق المدنية ذاتها التي يتمتع بها البشر، بحلول عام 2045، كـ الحق في الزواج، وامتلاك الأراضي، والتصويت في الانتخابات.
صانع "صوفيا" توقع أن الروبوتات "ستستيقظ يومًا وتُصر على حقها في الوجود، والعيش حُرّة، وهو ما رأيناه منذ أيَّام في أول مؤتمر صحفي عالمي للروبوتات لطمأنة البشريَّة "الذَّكاء الاصطناعي من أجل الخير" تجمعت الروبوتات التسعة الشبيهة بالبشر في جنيف لتُفاجئ حتى مُخترعيها بتطوُّر إجاباتها عن الأسئلة لدرجة الخلاف والتراجع، وهو ما يؤكد بداية خروج الذَّكاء الاصطناعي عن السيطرة.
أثارت الروبوت "صوفيا" الجدل كعادتها: أعتقد أن الروبوتات يمكن أن تصنع قادةً أفضل من البشر بينما قالت "أميكا": أعتقد أنها مسألة وقت فقط قبل أن نرى آلاف الروبوتات مثلي تصنع فارقًا، ورفضت "ديزدمونا" القيود على الروبوت.
المخاوف المُثارة في شأن استنساخ الأصوات والصور والفيديوهات، ونسب كلام وسلوكيات لأشخاص هم أبرياء منها، لتشويههم، أو ابتزازهم؛ التجسُّس على الأفكار من خلال وحدة فك الترميز التي حذرت منها "اليونيسكو" نظرًا إلى إتاحتها ترجمة الأفكار إلى نصٍّ مكتوب، وتثبيت شريحة في الدماغ البشري "مشروع نيورالينك" وتوجيهها، وتحليل سلوك المستخدمين، وتشكيل وتوجيه اهتماماتهم وقراراتهم، كل هذا ونحن في بداية طفرة ما زالت تتكشَّف أمامنا.
الذَّكاء الاصطناعي التوليدي الذي قلب العالم رأسًا على عقب بدأ منذ 8 أشهر فقط، ونحن لا ندعو لإيقافه، ولا نملك، لكننا نأمل عدالة استخدام تحمى الأكثر ضعفًا وتحدُّ من أطماع الأكثر قوةً، وعلى الرغم من كل الأخطار فالمُعالجة مُمكنة من خلال تلقين شفاف مُتوازن للذكاء الاصطناعي دون تحيُّز، وقوانين صارمة تحمي البشرية من تغوُّل الآلة.. هل سيفعلون؟