لوجه الله:
حماقات المتطرفين الغربيين ضد القرآن فاقت كل الحدود، وجسدت أبشع صور التطرف ضد كتاب سماوى خالد، وارتكب المتطرفون فى السويد والدنمارك ما لم يرتكبه المتطرفون فى أية أمة، وقد بحثت كثيرا ولم أجد من أتباع الإسلام من تورط فى انتهاك حرمة كتاب مقدس مثل التوراة أو الانجيل، ولذلك كان ضروريا أن يهب زعماء الأديان وعقلاء المفكرين والمثقفين فى العالم لإدانة ما فعله المتطرفون فى هاتين الدولتين من حرق للقرآن الكريم وتكرار جريمتهم رغم إدانة العالم لهم.
هؤلاء المجرمون يصنعون التطرف ويؤججون مشاعر الكراهية بين الشعوب، ويهددون التعايش السلمى بين سكان الكرة الأرضية، ويهدرون الجهود الكبيرة التى بذلت علي مدى سنوات مضت وشارك فيها شيخ الأزهر وقداسة بابا الفاتكيان وغيرهما من كبار رجال الدين فى العالم لإشاعة السلام ومشاعر المحبة والتعاون والإخاء بين المسلمين والمسيحيين فى كل قارات العالم.
***
من أجل ذلك كان من واجب المؤسسات الدينية فى العالم وعلى رأسها الأزهر أن تنتفض وتعبر عن إدانتها واستنكارها الشديد لما تمارسه السلطات السويدية والدنماركية من استفزازات متكررة في حق مقدساتنا الإسلامية تحت شعار «حرية التعبير» الزائف، وقد شدد الأزهر على أن السماح للمتطرفين ومنحهم تراخيص بحرق المصحف يعكس سياسات فوضوية وتطرفًا بغيضا ودعما للإرهاب ومعاداة للمسلمين في ربوع الأرض .. وشدد الأزهر على أن السماح لهؤلاء الإرهابيين المجرمين بحرق المصحف يمثل جريمة بحق الإسلام وحق الأديان السماوية كلها وبحق الإنسانية جمعاء، وهو وصمة عار على جبين هذه المجتمعات، التي أثبتت بممارساتها أنها أقرب الشعوب إلى العنصرية والفوضى وازدواجية المعايير، وأبعدها عن الحرية الحقيقة واحترام الأديان والشعوب.
أيضا.. وصف بابا الفاتيكان فرنسيس الثانى جريمة إحراق المصحف بالسلوك المرفوض والمدان، معربا عن غضبه واشمئزازه من هذه التصرفات، ومؤكدا أن الحرية لا تعني الإساءة للآخر، وأكد أنه لا ينبغي استغلال حرية التعبير كذريعة للإساءة للآخرين، معرباً عن غضبه الشديد من مثل هذه التصرفات، مشيرا إلى أن المهمة الأساسية لرجال الدين حول العالم هى تحويل الحس الديني إلى تعاون وأخوة وأعمال ملموسة للخير.
وقال: إننا بحاجة اليوم إلى بناة سلام لا إلى صنّاع أسلحة.. بحاجة إلى بناة سلام لا إلى محرّضين على الصراعات والكراهية.. بحاجة إلى دعاة للمصالحة، لا إلى المهدّدين بالدمار، وإما أن نبني المستقبل معاً، وإما أنه لن يكون هناك مستقبل، معتبرا أن مستقبل التعاون بين الأديان يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل واحترام الآخر".
وكما فعل شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان يجب أن يهب كل رجال الدين فى العالم لإدانة هذه التصرفات الحمقاء وإنقاذ العلاقة بين أتباع الأديان السماوية وخاصة الإسلام والمسيحية من هذه الأفعال الإجرامية التى ترفضها الأديان وتدين مرتكبيها.
**
هؤلاء الحمقى الذين ينتهكون حرمة وقدسية القرآن الكريم ويحرقون نسخه أمام العالم يصنعون التطرف ويحرضون على الارهاب، فهم بسلوكهم الإجرامى يحرضون على التطرف المضاد، لعيش العالم بين تطرف وتطرف مضاد ويعود التوتر والتعصب الدينى ليسيطر على علاقات الدول من جديد.. كما أنهم يعرضون أمن مجتمعاتهم للخطر.. ولا أدرى كيف يفكر المسئولون فى المجتمعات الغربية وهم من عانوا لحقبة طويلة من ويلات الارهاب، وبعد أن هدأت وتيرة الارهاب الدينى فى الغرب عادوا من جديد ليقدموا مبرررات جديدة للارهابيين لكى يهددوا أمن مجتمعاتهم.. ثم يتباكون بعد ذلك ويطالبون الدول الإسلامية بمساعدتهم للقضاء على هذا الارهاب.. وهم الذين أحيوه من جديد وحرضوا عليه بتشجيعهم على حرق المصحف وإعطائهم تصاريح لذلك.
يرتكب الغربيون هذه الحماقات ضد القرآن الكريم وهم لا يعرفون ماذا قدم القرآن لهم؟ وكيف حفظ حقوقهم؟ وكيف حمى عقيدتهم؟ وحجم ما قدمه ليكفل لهم كل حقوقهم الدينية والإنسانية.. لقد رسم كتاب الله الخالد صورة كريمة محترمة للتعامل مع أهل الكتاب من يهود ومسيحيين فلا عداء لهم بسبب عقيدتهم، ولا إكراه لهم على التخلي عن دينهم والدخول فى الإسلام.. بل معاملة إنسانية تقوم على البر والإحسان، وهنا يقول القرآن: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وبناء على ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
ومن صور المعاملة الكريمة لغير المسلمين التى رسخها القرآن الحث على التعامل معهم بكل ود واحترام، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم والأكل من طعامهم لقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)، وكذلك التعامل معهم بالبيع والشراء وغير ذلك من وجوه المعاملات الشرعية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة لنا في الإحسان إلى اليهود المسالمين الذين عاشوا في المدينة المنورة.. والسنة النبوية مليئة بالأحاديث الدالة على ذلك، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم دعوة المرأة اليهودية إلى طعامها، وعاد الغلام اليهودي المريض، واستقبل وفد نصارى نجران في مسجده وأكرمهم فيه. واستمر هذا الحال في الخلافة الراشدة أيضا، وخير شاهد على ذلك الوثيقة التي أعطاها عمر بن الخطاب للنصارى في بيت المقدس، والتي سميت بـ "بالعهدة العمرية" فقد أمنهم فيها على أنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وغير ذلك من حقوقهم وحرياتهم.
عودوا الى رشدكم أيها المتطرفون، وتحملوا مسئولياتكم أيها المسئولون فى الغرب، فالسماح بحرق القرآن جريمة تشارك فيها كل السلطات التى تسمح بذلك.. وقد استفز مشاعرنا جميعا تصرف رجال الشرطة فى الدنمارك مع سيدة حاولت منع متطرفين من حرق مصحف واختطافه منهم، فإذا بالشرطة تتدخل وتعيد نسخة المصحف للمتطرفين لكى يقوموا بحرقة أمام الكاميرات.
هل فقدتم صوابكم الى هذه الدرجة؟
ألا تدرون أنكم بهذه السلوكيات العدوانية تهددون أمن وسلامة مجتمعاتكم؟