من الألف إلى الياء
ألقت التطورات الأخيرة للأزمة الأوكرانية مزيدا من التداعيات والآثار السلبية على محاور متعددة، وعلى رأسها ملف الغذاء.
ومن جديد بدأت دول العالم إعادة ترتيب الأوراق والحسابات، والبحث عن البدائل، الأكثر جودة وفعالية وأقل تكلفة سواء من الإنتاج المحلي، أو من خلال تنويع دول المنشأ، ومحاولة إيجاد حلول عملية أو عقد تحالفات إقليمية جديدة، قد تقي شرور، مغبة الاستمرار في هذا الصراع المحموم، والذي يزداد شراسة واحتقانا وتصعيدا، دون إدراك لحصاده المر، والذي سيصب حتما في جميع الجبهات !.
لقد صدم العالم بقرار موسكو الصادم بوقف اتفاقية تصدير الحبوب، وبدأت دول العالم تتوجس من حدوث أزمات غذائية تتعلق بالوارد والمخزون من السلع الاستراتيجية، بعد انهيار هذا التعهد، الذي أسهم في تراجع وتخفيف معدلات التضخم، برعاية الأمم لضمان تدفق الزيوت والمحاصيل الزراعية والغذائية لمختلف دول العالم، للحفاظ علي الأمن الغذائي الدولي وتجنب الدخول في أزمات ونكبات أممية جديدة.
ومن الحقائق التي لا تقبل الجدل أن أكثر المتضررين من هذا التصعيد، وبدرجات مختلفة هم الدول الفقيرة والنامية وأيضا الدول الناشئة الساعية للنمو، أو التي لا تمتلك من المقدرات والسياسات والبرامج والرؤي الإصلاحية ما يحصنها من آثار هذه التطورات والمتغيرات، التي تبرق علي ساحة المشهد الدولي بصورة متسارعة لم تألفها الكثير من الدول.
ونتيجة لانسحاب روسيا من مبادرة حبوب البحر الأسود، فقد قفزت أسعار القمح والذرة في أسواق السلع العالمية بعد ساعات قليلة من القرار مع توجسات من تعقد ملف الغذاء في المستقبل المنظور، حيث يهدد انهيار الاتفاقية برفع أسعار المواد الغذائية للمستهلكين في مختلف الدول وتهديد الملايين بالجوع والمزيد من الفقر، وخاصة في قارة أفريقيا، والتي تحتضن 35 دولة من أفقر 50 دولة على مستوى العالم وعلى رأسها دول القرن الأفريقى وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية، وتعتمد هذه الدول على الحبوب الروسية والأوكرانية لرخص أسعارها عن باقى الدول المنتجة.
وفي محاولة لتدارك الأمر دعت أمريكا، روسيا للتراجع فوراً عن تعليق اتفاق الحبوب، وجاء الرد من موسكو بأن القرار نهائي، ولا رجعة فيه!.
وفي هذا السياق أكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، آدم هودج أن "قرار روسيا تعليق المشاركة في مبادرة حبوب البحر الأسود سيزيد من انعدام الأمن الغذائي سوءاً ويلحق الضرر بملايين الأشخاص المعرضين للخطر في جميع أنحاء العالم".
وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش: من إن انهيار الاتفاق سيحول أزمة "القدرة" على تحمل تكاليف الغذاء إلى أزمة "توافر" مع معاناة المزارعين من صعوبة الحصول على الأسمدة اللازمة قبل موسم الزراعة.
وقد قفزت العقود الآجلة للقمح في مجلس شيكاغو للتجارة بنسبة 2.7% وارتفعت العقود الآجلة للذرة بنسبة 0.94% حيث يخشى التجار من أزمة وشيكة في المعروض من المواد الغذائية الأساسية.
ومن التأثيرات بعيدة المدي، فمن المرجح أن يكون لانهيار الصفقة تداعيات أبعد من المنطقة في مختلف أرجاء المعمورة.
ومن المعلوم أيضا أنه قبل اندلاع الحرب، كانت أوكرانيا خامس أكبر مصدر للقمح على مستوى العالم، حيث كانت تمثل 10% من الصادرات، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما كانت بين أكبر ثلاثة دول مصدرة للشعير والذرة وزيت بذور اللفت، وزيت عباد الشمس، حيث يمثل 46% من صادرات العالم وفقاً للأمم المتحدة.
ومن الحقائق المؤلمة أيضا أن الصدمات الاقتصادية بعد حرب أوكرانيا تسببت في انعدام الأمن الغذائي في 27 دولة، مما أثر على ما يقرب من 84 مليون شخص، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة الدولية لمعلومات الأمن الغذائي، الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ومن المؤسف أن هناك 20 دولة أخرى تصدر الحبوب، منها 10 دول تصدر أكثر من 80% على رأسها استراليا وأمريكا وكندا والأرجنتين والهند ورومانيا، إلا أنهم يستغلون الظروف الحالية وزيادة الطلب الأوروبى فى رفع الأسعار بالإضافة إلى زيادة تكاليف النقل.
وعلى المستوي المحلي فقد أدركت مصر تلك الحقائق سريعا، واستوعبت دروسها القاسية وبدأت الحكومة مبكرة في اتخاذ عدة إجراءات تنفيذية عبر عدة مسارات منها تنويع مصادر الحبوب اتقاء لتداعيات الظروف المناخية والمتغيرات الدولية.
ووفقا للخبراء والمراقبين ونتيجة لهذه المشكلات، فقد قررت الجهات المعنية زيادة مساحة زراعة القمح هذا العام إلى حوالى 3.5 مليون فدان مع زيادة الإنتاجية إلى حوالى 22 أردب للفدان بإنتاج حوالى 10 مليون طن، مع الحفاظ على احتياطى من القمح لمدة 6 أشهر، والاكتفاء ذاتيا من الأرز بإنتاج حوالى 3.5 مليون طن.
وعلى المستوي العربي والإفريقي أتصور ضرورة العمل لإقامة شراكات وثيقة تضمن توظيف الموراد الطبيعية والطاقات البشرية الهائلة في صناعة مستقبل آمن وتوفير الحياة الكريمة للأجيال القادمة عبر برامج فاعلة ومحددة للتنمية المستدامة في إطار من التعاون ودعم الترابط الإقليمي.
ومما يضيف الخطورة لهذا الملف الحيوي، الملمح الأسوء من تداعيات التغيرات المناخية وتأثيراتها السلبية علي السلع الغذائية، وارتفاع معدلات الانبعاثات الكربونية والحرارية، والتحذيرات المتتالية من مختلف مراكز الأبحاث وعلماء المناخ من تزايد غاز "الدفيئة"، والذي فاق المعدلات الطبيعية التي اعتاد عليها الناس.
والخلاصة أن مستجدات الواقع تتطلب وقفات للتخطيط والترشيد وتحديد الأولويات، وإحياء مفاهيم الاكتفاء الذاتي والإنتاج المحلي للغذاء، كما أن استراتيجيات الأمن الغذائي أصبحت وامست التحدي الأكبر للحفاظ علي حاضر ومستقبل الدول في ظل المتغيرات الطبيعية، وتغيرات أحوال البشر.