لوجه الله:
أسأل الله أولا أن يكتب لكل من أدى مناسك الحج هذا العام حجا مبرورا، وأن يطهرهم من كل ذنوبهم وآثامهم، وأن يعودوا سالمين غانمين بعد أداء أشق وأجمل عبادة على نفوسهم، وأن يرشدهم الى ما ينفعهم بعد الحج، وأن يجنبهم المعاصى والذنوب وظلم الناس وأكل الحرام.
لا ينبغى لمن أدى مناسك الحج مخلصا لوجه الله أن يعود الى حياته الطبيعية وما فيها من سلوكيات مقبولة ومرفوضة، أو أن يعود الى ما ألفه من معاملات وأخلاقيات وعلاقات بالآخرين بعيدة عن عدالة الإسلام.
بعد العودة من هذه الرحلة الإيمانية الطيبة ينبغى أن يسأل كل حاج نفسه: ماذا ينبغى أن أفعل؟ وكيف أحافظ على مكاسب هذه الرحلة الشاقة بدنيا والمكلفة ماديا وسط حياة مليئة بالتجاوزات والسلوكيات المقبولة والمرفوضة؟ وما الذى ينبغى أن أحرص عليه من آداب وأخلاق فى تعاملاتى اليومية مع الآخرين؟ وماذا يعنى العودة الى حياة المعاصى والذنوب والانفعالات التى كنت عليها قبل الحج؟
هذه التساؤلات مهمة وجوهرية لكل حاج يريد أن يحافظ على مكاسب حجه لأن لقب (حاج) لن يفيده حتى فى أوساط الناس لو عاد الى ما تعود عليه من مخالفات وتجاوزات سلوكية.. لن يفيده لو مارس ظلما للناس وأكل أموالهم بالباطل أو أهدر حقوقهم، فالحج أمانة ومسؤولية يستطيع حملها والوفاء بحقوقها الأتقياء والأنقياء الذين سافروا بأموال حلال يستهدفون أولا وأخير طاعة الله ورضوانه.
*****
يجب أن يدرك الحاج العائد من رحلته المباركة أنه بدأ حياة جديدة بعد أن غسل ذنوبه وتخلص من معاصيه وغفر له خالقه ما تقدم من ذنبه، وتحقق له وعد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم:" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
هذا المكسب الكبير والحصاد العظيم ينبغى أن يحافظ عليه الحاج بعد عودته وإلا فإنه فى حالة انفلاته وممارسته ما تعود عليه من ظلم للناس وإهدار لحقوقهم وانتهاك لحرماتهم، وما كان عليه قبل الحج من غيبة ونميمة وغير ذلك من سلوكيات مرفوضة شرعا يكون قد فرط فى أهم مكاسب رحلته الشاقة التى تكبد فيها الصعاب، وأنفق عليها الكثير من المال، خاصة فى هذا الوقت الذى أصبح الحج فيه مكلفا ومرهقا بدنيا وماديا.
يجب أن يدرك الحاج أنه أدى عبادة تستهدف تغيير حياة الإنسان الى الأفضل وأن الحج ليس مجرد طقوس شكلية خالية من الروح، فالطواف حول الكعبة والسعى بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة ورمى الجمرات كلها مناسك تهدف الى معانى ينبغى أن يدركها الحاج.. فقد عاهد الحاج خالقه فى الأراضى المقدسة أنه ندم على ما ارتكب من ذنوب ومعاص، وأنه بعد الحج يعيش فى يقظة دائمة وتوبة مستمرة للتخلص من كل ما يستجد من آثام قد يرتكبها بقية حياته، فهو لا يدرى أن رحلة غسل الذنوب والآثام قد تتكرر مرة أخرى أم لا.
لذلك فإن العاقل هو الذى يحافظ على مكاسب رحلة الحج وهى كثيرة ومتنوعة، فالحاج العائد من الأراضى المقدسة، والذى أخلص النية، وذهب بنفقة حلال، وتحمل مشاق السفر، وأدى المناسك برغبة وعزيمة صادقة، عليه أن يتمسك بما حصده من أجر وثواب، فلا يستسلم للشيطان، ولا يعود الى المعاصى التى عاشها وألفها قبل سفره للحج.
****
علماء الإسلام ينصحون كل الحجاج العائدين من الرحلة المباركة بالحرص على أداء الفرائض والعبادات والفضائل الإسلامية التى ألزمهم بها خالقهم.. وهنا لا ينبغى أن يرتكن المسلم الى الحج، ويعتقد أنه قد تخلص من ذنوبه وآثامه، فعبادات الاسلام تتنوع وتتكامل وتحقق أهدافاً متنوعة تصب في النهاية في مصلحة الإنسان وانضباط سلوكه ليرضي خالقه ويحقق أهدافه وطموحاته في الحياة.
مكاسب الحج كثيرة ومتنوعة، وواجب الحاج أن يعض عليها بالنواجز، ولا يفرط فى شىء منها ومكاسب هذه الرحلة كلها مهمة للإنسان الذي يتطلع إلى التخلص من ذنوبه وآثامه، لكن هناك فائدة عملية ينبغي أن تؤثر في حياة الحاج بعد العودة، وهى ( الصبر) فقد تدرب الحاج عمليا على الصبر وتحمل المشاق.
يجب على العائد من هذه الرحلة التعبدية أن يتمسك بروحانية الحج وما تعلمه من آداب وسلوكيات راقية.. عليه أن يحتفظ بالمعاني الجميلة للحج، وعدم الانصهار من جديد فى عالم المعصية، ولا يستجيب لشياطين الجن والإنس التى تحيط به.
على حجاج بيت الله الحرام أن يتمسكوا بما حصلوا عليه من مكاسب عظيمة وألا يعودوا الى حياة المعاصى والأثام مرة أخرى.. وعلى الجميع أن يدرك أن الحج لا يفيد مدمنى المعاصى الذين يعيشون حياة عبثية أو يرتكبون محرمات ويذهبون للحج كل عدة أعوام ليغسلوا ذنوبهم، فلو استطاع هؤلاء خداع الناس فلن يستطيعوا خداع خالقهم الذى يعلم ما تخفيه القلوب.
على كل عاقل ألا يفرط أبدا فى مكاسب رحلة الحج وأن تظل مع الانسان طوال حياته، فالحج بالفعل نقطة تحول فى حياة كل مسلم واع مدرك لأهداف هذه الفريضة ومقاصدها الشرعية.
إحرصوا- أيها الحجاج العائدون- على مكارم الأخلاق التى تعودتم عليها طوال رحلة الحج، فقد أديتم عبادة الحج تلبية لدعوة ربكم ورددتم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك"، وتحملتم مشاق هذه العبادة، فحافظوا على مكاسبها.
إعلموا أن للحج آثاره في سعة الرزق وإنه ينفي الفقر، ولذلك فسوف ينعم الله على من أنفق بإخلاص على هذه العبادة، سوف يفتح الله عليه أبواب الرزق لو تعامل بالحلال، وتجنب كل ما فيه شبهة حرام حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تابعوا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة".