من الألف إلى الياء
يظل الأدب العربي مرآة مجتمعية تجسد هويته وثقافته الأصيلة، وترصد أفراحه وأتراحه،وتعكس طموحاته وتعايش آلامه وهمومه،
وعلي مر السنين أبدعت رموزه وحققت العالمية والتميز واسمي الجوائز وعلي رأسها نوبل ،وترجمت أعمال العظماء ومنارات الفكر والتنوير إلي لغات عديدة، وفي طليعتهم عميد الأدب العربي طه حسين ، عباس العقاد،نجيب محفوظ ،توفيق الحكيم ،يوسف السباعي ،إحسان عبدالقدوس ،محمد جبريل ،بهاء طاهر ،ويحيي حقي ،وغيرهم العشرات من كنوز مصر الثقافية.
ولا ريب أن الرؤي الصائبة تتفق علي أن الرسالة الأهم للأدب السامق إدراك وتصحيح متناقضات الواقع وتصحيح مسارات العلاقات الاجتماعية،والاشتباك مع قضايا وهموم ومشكلات المجتمع ،رمزا أو تصريحا،ومن قبلها الانحياز لقيم العدل والخير والجمال والإبداع.
هن وهم منارات مضيئة في عالم الإنسان،ومن بين رموز أدباء المحروسة،وهذا المعين المتدفق بكل إبداع وكل جديد ، تتزين هذه السطور بالحديث بكل فخر وعزة وتقدير عن واحدة من أهم أديبات مصر المعاصرات ..
إنها الأديبة المبدعة الروائية انتصار عبدالمنعم ابنة مدينة ادكو محافظة البحيرة ، الحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب باعتبارها من النماذج المعاصرة فائقة التميز في دنيا الرواية وأدب الطفل.
ولأديبتنا رصيد أدبي ضخم منها : جوكات وكبرياء الموج، وأريد أن اكون نملة ،ولم تذكرهم نشرة الأخبار، وغيرها من عشرات قصص الأطفال.
وعن مُجمل أعمالها الأديبة في الرواية والقصة وأدب الطفل والتراث، ناقش الباحث محمد جوهر بكلية الآداب جامعة دمنهور، العام الماضي رسالة الماجستير تحت عنوان:"الخطاب السردي عند انتصار عبدالمنعم طرائقه وعناصره الفنية".
وكرمت في محافل عديدة منها مهرجان "معلمون مبدعون"، والذي نظمته وزارة التربية والتعليم بمحافظة البحيرة كما تم دعوتها لحضور العديد من الفعاليات الثقافية والأدبية في دول عربية وأوروبية.
ولعل الملمح الأساس الملهم في مجمل أعمالها الأديبة الروائية ،هو الاعتزاز بالهوية العربية الأصيلة والانحياز للتراث المصري شكلا ومضمونا ، مع الدعوة لمسايرة روح العصر ومستجداته وتوظيف تقنياته مع التحصن من شطحاته ودعوات التمرد علي القيم والهوية.
ومن قراءة أولية لبعض أعمالها، والأمر مفوض للنقاد والمتخصصين، أتصور أن إنتاجها الثري نموذج حي معاصر للأدب القيمي الصامد تجاه موجات التغريب والعولمة الثقافية.
وفي هذا السياق الشامخ، نقطف من بستانها العامر بكل سجايا الجمال والتميز حكاية طباعة وترجمة روايتها (لم تذكرهم نشرة الأخبار) إلى اللغة الإسبانية ،دون أن تدفع 20 يورو عن كل صفحة،
أو أن تقدم أي تنازل لصاحبة دار النشر الإسبانية.
وقد كتب المترجم المصري الإسباني
"سليمان طايع" بنفسه قصة ترجمته لروايتها،
وذكر حكايتها مع الناشرة التي طلبت صورة شخصية ترويجية من غير "حجاب"، وتعديل الرواية كي لا يغضب "أشقاؤها" في تل أبيب..وكيف وجهت لي الناشرة دعوة لزيارتها في فالنسيا ولماذا رفضت هذه الدعوة رغم وجودها وقتها في إسبانيا.
يقول طايع: عندما بدأت مشروعي الشخصي في إيصال الأدب العربي والمصري إلى القارئ الإسباني هنا، بدأت أولا بتفقد أحوال الأدباء العرب والمصريين منهم خاصة ،وكنت قد ابتعدت كثيرا عن حركة الادب العربي لسنوات طوال بسبب بعد المسافة وقلة المصادر التي تأتينا هنا في بلاد الفرنجة ،وذلك قبل إختراع الانترنت وتفشيه في الأرض.
ثم بدأت في قراءة بعض أعمال الادباء المتواجدين على الساحة وقد لفت انتباهي بعض الأقلام الواعدة والمتفردة في أسلوبها، والتي توسمت فيها الأصالة التي أنشدها ،والبعيدة عن التقليد أو الإسفاف.
ومن ضمن هذه الأعمال رواية (لم تذكرهم نشرة اخبار)..وقد رأيت أنها رواية متكاملة من جميع الزوايا ،تجمع ما بين الأصالة وروح العصر، وهو مايعجز كثير من الكتاب على أن يوازن ما بين هذا وذاك.
وتابع: وبالفعل أتممت ترجمة الرواية وتم تسليمها لدار النشر الاسبانية بموجب عقدين منفصلين ، أحدهما لي بصفتي المترجم والآخر لإنتصار عبدالمنعم بصفتها المؤلفة، وقد استغرق التفاوض بين دار النشر وإنتصار وقتا طويلاً بعد تمسك الطرفين بحقوق يكفلها القانون الدولي لحقوق النشر والطبع، مما أدي إلى إعادة صياغة بنود العقد عدة مرات في خلال مايقارب من العامين.
وكان من المواقف التي لا يمكن أن أنساها هو موقف الكاتبة إنتصار فيما يتعلق بالسيرة الذاتية للمؤلفة، فمن المعهود أن ترفق مع صورة شخصية للمؤلفة كي يراها القراء في الغلاف الخلفي لتصميم غلاف الرواية، فقامت إنتصار بإرسال صورة لها كما تبدو دائماً بالحجاب ،وما أن أرسلتها إلى الناشرة حتى قامت بالاتصال بي هاتفيها وقالت لي أنها تحبذ لو كانت لها صورة من غير هذا الحجاب، فلما قمت بإخبار إنتصار برغبة الناشرة ، بادرتني بلهجة محتدة، رافضة رفضا قاطعا،فقمت بابلاغ الناشرة برد انتصار فصمتت ولم تعلق بعد ذلك!.
كما أكد المترجم سليمان طايع أن إنتصار رفضت رفضاً باتاً تعديل جزء من الرواية يتكلم بوضوح عن إعتبار الكيان الصهيوني هو "العدو الأول".
وقد صدرت الرواية باللغة الإسبانية نسخة "أيبوك" ،تمهيدا لطباعتها على الورق ،وعند زيارة انتصار إسبانيا للمرة الثانية لحضور مؤتمر الشعر العالمي، علمت الناشرة بذلك ودعتها إلى فالنسيا ولكن إنتصار رفضت وأصرت على أن تكون الدعوة رسمية كاملة التكاليف من سفر وإقامة وإلا فلا.
وعلقت انتصار بقولها "المباديء لا تتجزأ..ويظل الأديب ما عاش منحازا للمبدأ قبل كل شيء"..
ومن أقوالها في هذا المحفل: تعود أن يناديني (الأم تريزا) معتقدا أنه يوجه إلي نقدا بسبب غطاء رأسي القريب من غطاء رأس الراهبات.. الحقيقة وعكس ما توقع..كنت بيني وبين نفسي أعتبر ذلك مديحا ..
فمن لا يحب أن يكون ريشة أو قلما يكتب به الله ما يحب في قلوب من يحب؟..من لا يحب أن تكون أنفاسه موزعة بين كائنات الله ، سائحا غريبا ..يتعجل الخلاص من سجن الأرض إلى براح السماء.
ومن سطور كتابها "أريد أن أكون نملة" ، والذي يعالج مشكلة التنمر
تقول : "مِن لُطْفِ اللَّه، أنه يُبدل الحالَ في طَرفةِ عَين ..ويسُوق لكَ الفـرحَ على يـدِ نملةٍ.."
والكتاب فاز بمسابقة "أنت مسؤوليتنا" ،إشراف وزارة الشباب والرياضة ومؤسسة دار المعارف.
وفي إطلالة "أيام الشاطر حسن " تنسج حروفا وكلمات، مستقاه من أدق تفاصيل ومتناقضات الحياة. تقول فيها : (تختلط طقطقات الخشب مع أصوات حفيف الأشجار من حولي، هسيس النار يتسلل ببطء من كرناف النخيل.. يعلم حسن أني لا أشرب الشاي إلا في صُحبة.. يزداد توهج كرناف النخيل وخشب الزيتون والرمان، ويضيع صوت حسن.
لم يعد أحد هنا، لا شيء إلا الصمت وأصوات الطيور المهاجرة تعلن عبورها بحر مدينتنا، فرحة بانتهاء رحلتها، لا تعلم أن خلف كل شجرة عين تترصدها..
وضعت الأكواب والسكر والشاي في منتصف الدائرة، وجلست وحدي، أنتظر مجيء حسن وزينب والمارد الأبيض، لنعيد رسم الدائرة ).
وتحت عنوان :شارع الإنسانية كتبت تقول:إن لم يأت العيد ،سأصنع لنفسي عيدا، وأستدعي فيه من أحب..هكذا قررت.. لا عيد إلا صحبة الأحبة، لهذا قررتُ نفث روحَ الأشياءِ فيها، لعلها حين تنطق..أسمع همساتِ الراحلين..
تهتُ! نعم ضللتُ الطريقَ، وبقيتُ أدخل من شارع وأخرج من آخر..
لم أصل، لكني اكتشفتُ أن هناك شارع اسمه شارع الإنسانية!.
واختم بكلمات انتصار المعتادة: "روعة أن تكون كاتبا"..
تحية تقدير للأديبة القديرة انتصار عبدالمنعم، ولكل قلم مصري اصيل وفي انتظار المزيد من الابداعات والنجاحات.