طيب القول
نعيش هذه الأيام المباركة التي وصفها المولى عزَّ وجلَّ بأنها أيام معلومات، والتى لها مكانة عُظمى حتّى عَدَّها سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أفضل أيام الله، لما فيها من الفضل والخير العميم للناس أجمعين، وقد اجتمعت فيها كل خِصال الخير لعباد الله، من توجُّه إلى الخالق سبحانه وتعالى فى بيته الحرام، حيث أوَّلُ بيتٍ وُضع للناس، يحجّ إليه من كَتَب لهم المولى سبحانه زيارته، مُلَبِّين نداءَه على لسان سيّدنا إبراهيم- عليه السلام- حينما طلب منه الحق سبحانه النداء وضَمِنَ له البلاغ للناس واستجابتهم له- ما شاء الله لمن أراد- فقال " وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج: 27).
والمُتأمِّل فى أفضال الله على خَلْقِه، يجده سبحانه وتعالى دائم التفضُّل علينا، سواء بالأيام أو المواسم أو الأعمال والطاعات التى تقرِّبنا إليه وتعود علينا بالفضل والخير والبركات، وهو الغنى الذى لا تنفعه عبادتُنا كما لا تضرُّه معصيتُنا، إنما الأمر كلّه يعود علينا نحن، فـ" فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا" (الزمر:41).
هذه الأفضال الإلهية علينا إنما جُعِلَتْ لتعود بالخير علينا، بالمغفرة والرحمة والسعادة فى الدنيا والآخرة، ولم يُطالبنا مقابِل خَلْقِه لنا إلا بإخلاص عبادتِنا له، حيث يقول: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ" (الذاريات:56-57)
فخالقنا سبحانه وتعالى يُيَسِّر لنا سُبُل التقرُّب إليه ويُعدِّدَها ليختار كلٌّ منّا ما يريد وما يتناسب معه حتى لا تكون له حُجَّة فى الفِكَاك والابتعاد عن طريق الخير والصلاح بل السعادة للعبد نفسه وليس للخالق، الغنى عن عبادتنا.
بل الأعظم أنه سبحانه وتعالى- رغم تخصيصه وتعظيمه لبعض الأوقات والمواسم والمناسبات- إلا أنه فتح الباب على مصراعيه أمام عباده، فلم يغلقْه أبدا، ولم يُقْصِرَه على أيام ومواسم مُحدَّدة ومحدودة، إنما باب الدخول إلى الله مفتوحٌ دائماً وأبدًا وفى كل وقت وحِين، بالعبادات والطاعات، الصَدَقات والقُرُبَات، الأعمال الطيّبة والإحسان إلى كلِّ خَلْقِ الله، فى السلوك والقول والعمل، حتى فى مجرّد التفكير الحَسَن يُجازى اللهُ عليه بالثواب، ومن مزيد فضله وكَرَمِه أنه لا يُعاقب عليه، فإنْ هَمَّ الإنسانُ بعمل خير ولم يعملْه كُتِبَت له حَسَنة، وإن عَمِلَه ضاعف له الأجر والثواب إلى عشر بل إلى أضعاف مُضاعفة لمن يريد، أمّا إن هَمَّ بسيّئة ولم يعملْها كُتبت له حَسَنة، وإن ارتكبها كُتبت عليه سيّئة واحدة!
بل إنّه عزَّ وجلَّ دائم التفضُّل علينا ودعوتنا إليه، كما يقول فى الحديث القدسي الشريف، الذى رواه أبو هريرة- رضى الله عنه- " أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" أخرجه البخارى ومسلم.
وبالتعبير العامّى، فإنه جلَّ وعلا وكأنه- وآسف على اللفظ- "يِتْلَكِّك" لنا بكلِّ السُبُل والوسائل كى يُحبِّبنا فى قُرْبِه وعبادته بجزيل عطاياه ونِعَمِه وآلائه علينا، فما أعظمُك من إله خالق، أنت أعلمُ بنا من أنفسنا! فلا تَكِلْنَا لأنفسنا طَرْفَةَ عينٍ.