رسالة
تتطلب الكتابة عن توحش الرأسمالية العالمية دراسة وبحث معمق ومع ذلك، يمكننا تقديم نظرة تحليلية عن بعض الجوانب التي يمكن أن تشير الى هذا النمط الغير المتوازن لتوزيع الثروة
التفاوت في توزيع الثروة الذى اشار اليه تقرير منظمة اوكسفام "المنحازة للشعوب الفقيرة "، فى مطلع العام يعكس توحش الراسمالية العالمية وتفاقم الفجوات الاجتماعية، الذى اصبح يهدد المستضعفين واستمراره يعد شهادة وفاة للانسانية
التقرير اشار الى استئثار أغنى 1 % من البشر بـ 45.6 %من الثروة العالمية فى بينما النصف الافقر من العالم لايمتلك سوى 0.75% فقط، 81 مليارديرا يستحوذ على ثروة تفوق ما يملكه 50 % من البشر مجتمعين، و 10 فقط من أصحاب المليارات يمتلك اكثر مما تحوذ 200 مليون امرأة أفريقية مجتمعة !
كشف التقرير عن تضاعف ثروات اصحاب المليارات خلال العشر سنوات الماضية محققين ما يقرب من ستة اضعاف الزيادة فى الثروة التى شهدها افقر 50% من البشر، اكتسب أعلى 1 %من البشر ثروة تفوق بـ74 ضعف ما كسبه نصف البشرية الافقر فى السنوات العشر الماضية ففى عام 2020 مقابل كل دولار كسبه افقر 90% من البشر كسب اصحاب المليارات 1.7 مليون دولار، ومقابل كل 100 دولار من الثروة الجديدة التي أنتجها الاقتصاد العالمي بين ديسمر 2019 وديسمبر ،2021 ذهب 63 دولار الى أغنى 1 % من البشر، فيما لم يكسب أفقر 90 % سوى 10 دولارات.
ويشير تقرير مختبر اللامساواة العالمى
World Inequality
الصادر في ديسمبر 2021 أن أغنى 1٪ من سكان العالم يمتلكون الآن ثروة تفوق ما يملكه فقراء الـ 99٪ مجتمعين، مشيرا الى ان الفجوة بين الأغنياء والفقراء اخذة في الاتساع مما يؤثر سلبا على المجتمعات والدول
تقرير التنمية البشرية للامم المتحدة ، عام 2022 ، قال ان 9.2٪ من سكان العالم ، أو 719 مليون شخص ، يعيشون في فقر مدقع وانه قد ارتفع منذ عام 2019 بسبب جائحة كوفيد 19 بمقدار 100 مليون غالبيتهم من النساء والاطفال
تاثيرات ما سبق سقوط أكثر من 70 مليون شخص إضافى فى براثن الفقر المدقع عام 2019 ، بزيادة 11% عن سابقه وبهذا بلغ عدد الفقراء فى العالم 3.4 مليار شخص، أي نصف سكان الأرض، وتعد هذه الزيادة أكبر انخفاض في مستوى المعيشة منذ 100 عام
ورغم استئناف الجهود مرة اخرى للحد من الفقر لما كان عليه الحال قبل الجائحة الا ان ازمات الغذاء والطاقة واختناقات سلاسل التوريد الناجمة عن الجائحة وتغير المناخ وحرب اوكرانيا قفزت باسعار الطاقة بنسبة 59% والمواد الغذائية بنسبة 18% عام 2022 مقارنة بعام 2021 فى ضربة هى الاقوى لفقراء العالم
المكاسب التي تحققت بشق الانفس فى مكافحة البؤس خلال العقدين الماضيين بالانخفاض المطرد فى الفقر المدقع، قوضتها أزمات الغذاء والطاقة وكورونا ولاول مرة منذ 25 عاما، ازداد الثراء الفاحش والفقر المدقع فى آن واحد
ازمة الجوع التى يواجهها العالم أزمة طويلة الامد ومتنامية، فحتى قبل ارتفاع تكاليف الغذاء فى عام ،2022 لم يكن ما يقرب من 3.1 مليار انسان قادرين على تحمل تكاليف نظام غذائي صحى، والضعفاء الذين يعيشون فى فقر مدقع هم اكثر الناس تأثرا بالزيادة فى أسعار المواد الغذائية، إذ ينفقون ثلثي مواردهم على الغذاء.
ارتفاع أسعار المواد الغذائية العديد من البلدان المنخفضة الدخل بشكل أقوى من المتوسط العالمي، حيث تجاوز تضخم أسعار المواد الغذائية فى إثيوبيا 44 % وفى الصومال 15 % وفى كينيا 12% متجاوزا نظيره فى مجموعة السبع 10 % والمتوسط العالمى 9 % اعتبارًا من عام 2019 يعيش 40٪ من سكان أفريقيا جنوب الصحراء في فقر مدقع ، بأقل من 1.90 دولار في اليوم. هذه هي أعلى نسبة في أي منطقة في العالم.
وفقا لتحليل منظمة أوكسفام فى يوليو 2022 ان ما بين 702 و828 مليون شخص تأثروا بالجوع عام 2021 اي ما يقرب من 10% من سكان العالم 60% منهم من النساء والاطفال.. جاءت بيانات الاجور من 96 دولة أنه فى عام ،2022 كان ما لا يقل عن 1.7 مليار عامل يعيشون فى بلدان كان التضخم فيها يتجاوز نمو الاجور، وهو خفض حقيقي للاجور من المرجح أن يؤدي إلى زيادة اللامساواة والفقر
ومن المتوقع أن يتدنى نصيب الفرد من الناتج المحلى الاجمالى فى عام 2023 فى خمس البلدان النامية مقارنة بعام 2019 خاصة ان العديد من هذه البلدان فى وضع ضعيف بشكل متزايد بسبب الديون المتصاعدة فارتفاع أسعار الفائدة مقابل الدولار الامريكي القوي يؤدي الى ارتفاع تكلفة خدمة الديون الى مستويات تفوق تحمل هذه الدول، واليوم، يعانى 25% من الاقتصادات الناشئة و60% من البلدان المنخفضة الدخل من ضائقة ديون أو تقترب منها.
وفقًا لصندوق النقد الدولى ، من المتوقع أن يصل إجمالي ديون البلدان الصغيرة إلى10.7 تريليون دولار في عام 2023. ويمثل هذا زيادة بنسبة 5.8٪ عن عام 2022 ، ازمة ديون الدول الفقيرة ليست اقل ضررا على العالم من ازمة الدين الامريكية وتوابعها اخطر
الاحصائيات السابقة هى نتاج احتكار قلة من الطامعين للعديد من القطاعات الفاعلة فى مقدمتها الغذاء والطاقة بما يسمح لها بالحفاظ على أسعار مرتفعة بعيدا عن تهديد المنافسة حتى ان انخفضت التكاليف، تستحوذ الشركات على المكاسب بدلا من المستهلكين، الذين يتحملون وقع زيادة الاسعار
الفجوة المتزايدة بين الاغنياء والفقراء اصبحت تشكل تهديدا حقيقيا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسى، فعندما يكون هناك تراكم للثروة في ايدى قلة، يتضاءل الاستثمار في القطاعات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، مما يؤثر على فرص النمو والتقدم للفقراء والطبقات المتوسطة
ترى اوكسفام ان الحل فى فرض ضرائب على الاغنياء، لكن هذا لن يكفى فمعاناة الدول الصغرى تفاقمت لدرجة العجز عن سداد المديونيات او تبديد ثرواتها للتمكن من السداد. لذلك يعتبر التصدي للفجوة بين الدول وليس الافراد أمرا ضروريا لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. يجب أن تتخذ المؤسسات الدولية إجراءات فعالة لتعزيز الفرص وتوفير المساواة في الوصول إلى الموارد والخدمات الأساسية، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ليس على مستوى المحلى بل على مستوى الدولى
لاشك ان الرأسمالية ساعدت في انتشال البعض من براثن الفقر ، لكنها خلقت أشكالًا كثيرة من عدم المساواة في نهاية المطاف الفجوة بين الأغنياء والفقراء قد اتسعت في العقود الأخيرة ويجب معالجتها
ونحن على شفا ركود ناجم عن مزيج من السياسات النقدية والمالية، تمس الحاجة اكثر من أي وقت مضى لزيادة الانفاق العام لمعالجة الفقر والجوع للوصول الى عالم أكثر عدلا وإنصافا نجد المؤسسات المالية الدولية الحكومات تجبر الحكومات على خفض الانفاق العام وتنفيذ تدابير تقشف أخرى، بدلا من تحمل مسئوليتها فى مد يد العون لتلك الدول باسقاط جزء من الديون او مد فترات سداد القروض. او العمل على معالجة السلبيات التالى ذكرها
الاستغلال العمالى وهى واحدة من الانتقادات الشائعة للرأسمالية وفقًا لتقرير منظمة العمل الدولية، يعمل حوالي 152 مليون طفل تحت سن العمل القانونية، ويعاني العديد من العمال من ظروف عمل غير آمنة ورواتب غير كافية فى ظل صعوبة المطالبة بحقوقهم بسبب الضغط الاقتصادي ونقص الحماية القانونية
الفجوة الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة تتسبب في تفاقم اللامساواة بين البلدان وتصعب جهود التنمية والقضاء على الفقر
استحواذ الشركات الكبرى على عوائد أعلى من استغلال الموارد والعمل في الدول الفقيرة، وممارستها تأثيرا سياسيا على السيادة الوطنية في الدول الفقيرة. والتلاعب بالسوق والتأثير في صنع القرار السياسي مما يزيد من الاختلافات في الثروة والتنمية الاقتصادية
اثقال الدول الفقيرة بالديون الخارجية الكبيرة والفائدة العالية، يجعل من الصعب عليها تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. الديون تستنزف الموارد المالية للدول وتعيق قدرتها على الاستثمار في التنمية
تصدير الموارد الخام للدول الفقيرة بأسعار منخفضة، بينما تستورد المنتجات المصنعة بأسعار مرتفعة من الدول الغنية. يزيد من تفاقم الفجوة الاقتصادية وعجز التجارة للدول الفقيرة
تبعية الدول الفقيرة لسياسات المؤسسات الدولية المالية، مما يؤثر على قدرتها في اتخاذ القرارات الاقتصادية المستقلة وتحقيق مصالحها الوطنية. قد تفرض هذه السياسات قيودا وشروطًا على الدول الفقيرة لسداد الديون، دون مراعاة ظروفها الاقتصادية الحالية
تفضل المؤسسات الدولية الدول الكبرى أو توفر التسهيلات والدعم لها بشكل أكبر، مما يزيد من العبء على الدول الصغيرة بينما تتخذ احيانا قرارات غير عادلة تتعارض مع مصالح الدول الصغيرة والفقيرة.
ضعف فعالية جهود المؤسسات الدولية في تحقيق التنمية المستدامة وتخفيف الأعباء على الدول الفقيرة نتيجة معاناة بعض المؤسسات الدولية من نقص في الحوكمة والشفافية
استجابة المؤسسات الدولية لاحتياجات الدول الفقيرة بطيئة وغير كافية فبينما تحتاج الدول الصغيرة والفقيرة إلى دعم فوري لحاجتها الملحة، تتأخر الاستجابة حتى تتفاقم المشاكل والأعباء ويصعب حلها
من هنا ارتفعت المطالبات بضرورة عمل المؤسسات الدولية على تخفيف أعباء الديون الخارجية للدول الفقيرة، سواء من خلال تمديد فترة سداد الديون أو إعفاء جزء منها لتخفيف الضغط المالي على تلك الدول وتوجيه الموارد إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية بجانب تعزيز المشاركة الفعالة للدول الفقيرة في المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمنح الدول النامية صوتًا أكبر في صنع القرارات وتحديد السياسات المالية العالمية مع مراعاة قدرة الدول الفقيرة على سداد وتمديد فترة سداد الديون والنظر فى الاعفاء مما يمكن منها وتشجيع التجارة العادلة وإزالة العقبات التجارية التي تعوق دخول سلع الفقيرة إلى الأسواق العالمية. فهل تتحمل المؤسسات الدولية والدول الكبرى مسئوليتها ؟