من الألف إلي الياء
العلاقة الأزلية بين الإنسان والآلة علاقة اتخذت أبعادا وصورا منذ بدء الخليقة، لكنها تطورت بعد عصر الثورة الصناعية، ثم عصر تكنولوجيا الروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.
وطوال هذه الفترات السحيقة لم تتجاوز العلاقة حدود المساعدة والمساندة مع قدرة الإنسان علي تشكيلها وتطويرها والتحكم فيها وتوجيهها، قبل أن تتحول العلاقة إلي منافسة صريحة تهدد بإحلال واستبدال العديد من الوظائف وقدرة الإنسان علي السيطرة علي الآلة ،حتي إشعار آخر !.
وتبقي الحقيقة أن من ابتكر وصنع وطور هذه التقنيات، وهذه العقول الصناعية الفائقة هم في الأصل عقول بشرية صنعت عقولا ذكية صماء عمياء بلاقلب أو مشاعر، أو قدرة علي تفهم الأبعاد الاجتماعية، والأخلاقية، والإنسانية !
بيد أن ما يدعو للقلق المشروع، والتوجس المنطقي أن جموح تطبيقات عصر التحول الرقمي وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأ في اتخاذ مسارات متعددة في طريق دعم طموحات إنسان العصر ،الذي تجاوز حدود المنفعة العامة لخلق منافع خاصة قد تضر بالآخرين، إضافة إلى تخوفات الكثيرين من
الآثار السلبية لفكرة "الإنسان البديل"!.
وكما يبدو في الأفق من بوادر قلق من جديد تطفو علي السطح تساؤلات جمة حول مدي إمكانية وقف مخاطر الذكاء الاصطناعي، مع تحقيق أقصي استفادة .. وهل نحن في حاجة لقوانين وضوابط منظمة تحدد أطر استخدام العقول الصناعية، وتتناسب مع المستجدات و الأزمات التي يمكن أن يسببها هذا الضيف الثقيل المنافس لعقول بني البشر؟
لعل اسوأ ما صنعته تقنيات الذكاء الاصطناعي صناعة عوالم افتراضية موازية، حيث يمتلك قدرات لا محدودة للآلات والحواسب الرقميّة على القيام بِمَهام مُعينة ومعقدة تُحاكي تلك التي تقوم بها الكائنات الذكيّة؛ وأحيانا تتفوق عليها كالقُدرة على التفكير أو التَعَلُم من التجارب السابقة وغيرها من العمليات الأُخرى التي تتطلب مُمارسات ذهنية. وتعتمد عملية التَعَلُّم على مُعالجة كميات كبيرة من البيانات التي يتم جَمعَها.
ولا يختلف اثنان من بني البشر علي أهمية تطوير قدرات العقل البشري، و أهمية توظيف تقنيات الذكاء الصناعي في الطب والصناعة والزراعة، والحد من الآثار السلبية للاحتباس الحراري وتأثيرات التغيرات المناخية، وتطوير جودة التعليم ومخرجاته، وإدارة مرتكزات الحياة العصرية في المدن الذكية، كالتنقل والاتصالات وأنشطة التسوق والترفيه ، وغيرها.
لكن فكرة صناعة أو استنساخ "الإنسان البديل" ، ما تزال تلقي الكثير من الجدل ، مابين الرفض والقبول، وأحيانا التحفظ الحذر!.
هذا وقد وصل جموح الطموحات إلي طرح رؤي وأفكار قد تبدو غريبة، وتتعارض مع قيم دينية وأخلاقية وعقيدية، ومن أمثلتها هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إعادة استنساخ الموتى بصور عصرية؟ !
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأشخاص الذين فقدوا أحبائهم على التأقلم مع أحزانهم؟!
تساؤلات عديدة طُرحت مؤخراً بعدما أثارته تغريدة لأحد علماء التكنولوجيا على "تويتر" يعد فيها الناس بأنه قريباً جداً سيتمكن الذكاء الاصطناعي من إعادة الموتى، لكن رقمياً بالطبع، وذلك عن طريق إعادة تجسيد هيئاتهم وأصواتهم في صور رقمية ليتفاعل معها الأحياء!.
وبطبيعة الحال انتقد رواد وسائل التواصل الاجتماعي الفكرة التي وصفوها بالجنونية، بينما تباينت آراء علماء التكنولوجيا وخبراء علم النفس، ما بين مؤيد ومعارض!.
وعلي المستوي المحلي لعل النموذج الأسوأ من وجهة نظري هي محاولة تخليق صوت لمطرب راحل والإدعاء بأنه إبداع أصيل يتمتع بحقوق الحصانة والملكية الفكرية، لكن البعض يعتبر هذا الاتجاه تشويه للتراث، واستباحة لحرمة وخصوصية من رحلوا علي الدنيا وتركوا إرثا وإبداعات متفردة لا يحق لأحد أن يبدلها أويغييرها بحجة استدعاء الماضي والاعتزاز به.
وحول الجدل في أزمة الملحن عمرو مصطفى والمنتج محسن جابر بسبب أغنية أم كلثوم بالذكاء الاصطناعي أعلن بعض أساتذة القانون ومنهم د.محمد محمود مهران أستاذ القانون عن أحقية مصطفى في استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي deep fake في اصطناع الأصوات لاستخدامها في صنع عمل فني طالما أنه استخدم ألحان أو كلمات يمتلك حقوقها، ودمجها بصوت جديد مصطنع بهذه التقنية، مؤكداً أن ذلك لا يمثل انتهاك لحقوق الملكية الفكرية!.
وأشار د.مهران في رسالة أرسلها لي إلى أن القانون الدولي والداخلي ينظمان حماية حقوق الملكية الفكرية، موضحا أن هناك أكثر من 26 اتفاقية دولية في هذا الشأن.
كما أشار مهران أن قانون الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 يؤكد ذلك في المادة (١٤٠)، والتي أشارت للمصنفات المحمية على سبيل الحصر ولم يكن من بينهم الصوت البشري بحد ذاته، وهذا المعمول به في كافة دول العالم، موضحاً أن هناك حقوق أخرى تخضع للحماية ترتبط بالصوت مثل الكلمات واللحن، والتسجيل الصوتي، يمكن من خلالها وقف أي انتهاك لحق الملكية الفكرية إذا كان العمل مقلد بشكل واضح.
وأضاف أن الصوت المصطنع بهذه التقنية لن يكون مشابه للصوت الأصلي بشكل دقيق، حيث أن تقنية الذكاء الاصطناعي مهما بلغت درجة دقتها في وقتنا الراهن لن تصل للصوت الأصلي، موضحاً أن فكرة الإبداع ومخرجات المؤلف هي التي تجعل الجمهور يعتقدون أن الصوت المشابه يتعلق بذات الشخص المعنى أو بمعنى آخر "خداع سمعي"، فبذلك يصبح ذلك عملاً فنياً أصيلاً، ولا يمثل انتهاكاً لحقوق الملكية الفكرية للصوت الأصلي.
وفي مثل هذه الحالات اتفق مع رؤي الاستخدام العادل، وما إذا كان هذا الاستخدام ضارا أو بغرض الإبداع الفني، لأن هناك حالات كثيرة تم استخدام تقنية Deep fake بشكل خبيث، وضار، بالإضافة إلى مسألة حماية حقوق الملكية الفكرية.
وعليه من الممكن استخدامها في تطوير الأعمال الإبداعية وإحياء التراث، بعد اتخاذ إجراءات عملية لحفظ الحقوق واستئذان الورثة أو الجهات المعنية بحق الانتفاع، أما في حالة استخدامها بشكل يضر بالآخرين وهو ما يمثل انتهاكا لحقوقهم فهو أمر مرفوض بكل اللغات، وعلي كافة الأبعاد والمحاور.
وفي تقديري أن استنساخ صور مقلدة من البشر هو من مقابح تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، ومن الممارسات اللأخلاقية فكل إنسان له طبيعته المتفرده، مع التسليم بضرورة توظيف التقنيات المعاصرة في تعزيز قدرات الأحياء ورفع كفاءاتهم وجداراتهم وصقل مهاراتهم المهنية والحياتية، كي نري منهم إنسانا عصريا، إيجابيا، نافعا ومبدعا.
وفي بعض الأحيان لا تنتبه القوانين للأبعاد الأخلاقية والإنسانية، فهي في النهاية من صنع البشر يتم حياكتها وتفصيلها وفقا لحالات ما بالمجتمع، دون الالتفات للمستجدات والطوارئ ، ومن ثم فيجب تعديلها لتتوافق مع النسق الاجتماعي القائم وجديد الواقع الذي يطرأ بين الفينة والأخري في زمن المتغيرات المتلاحقة.
وعلاوة علي تجاوز هذه التقنيات وأباطرة التكنولوجيا للجوانب الأخلاقية فقد أمسي الذكاء الاصطناعي مصدرا أساسيا لتهديد مستقبل البشرية وتغيير تاريخ الأرض، بالقرارات المحتملة للحرب والعنف وفقا لتكنولوجيا المسيرات و"الروبوتات القاتلة، والتحكم من بعد، علاوة على فقدان الوظائف بسبب الأتمتة، أو التشغيل الآلي، بعد أن سيطرت بالفعل العقول الصناعية علي ما يزيد عن 50% من حجم الوظائف، وخاصة في الدول المتقدمة.
ولعل أحدث مثال على ذلك هو برنامج الدردشة " تشات جي بي تي" ChatGPT ، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي ويقرع أجراس الإنذار في قطاعات شتى، و تردد ذكره علي محاور عديدة منذ ظهوره أواخر خريف 2022 ، حيث يمكنه القيام بعملية الترميز بنفسه أو إصلاح الأخطاء في البرامج المعلوماتية، وكتابة نصوص تسويقية وأعمال ضخمة، تأليف كتب كاملة بشكل ذاتي، لذلك فإن سوء الاستخدام مُرتقب، ومتوقع وهو مثار انزعاج أهل المهن المختلفة في مختلف أنحاء المعمورة.
وفي النهاية اتصور أننا في حاجة أممية ماسة لتدشين ووَضع القواعد المنظمة وتعيين الحدود الأخلاقية بوضوح لا يحتمل اللبس أو التأويل، وإلى استراتيجية عالمية تدعمها لوائح وقوانين أخلاقية تهذب هذه الممارسات وترشد استخدام الروبوتات قبل فوات الآوان!.