لوجه الله:
كلما مررت من أمام معهد الأورام وشاهدت أعداد المواطنين الذين يترددون عليه ومعظمهم من الطبقات الاجتماعية الكادحة أدركت مدى خطورة ترك الجماهير بلا توعية وتنبيه وتحذير من مخاطر هذا المرض اللعين ومصير من يصاب به، حيث ينفق على علاجه سنويا مبالغ طائلة والمحصلة النهائية هى الوفاة.. وهذا المصير المحتوم ينبغى أن يفرض على الناس ضرورة الانصات جيدا الى نصائح وتوجيهات الأطباء وخبراء التغذية لتجنب بقدر الإمكان أسباب الاصابة به، وإجراء الفحوص الدورية لاكتشافه فى وقت مبكر تزيد معه فرصة الشفاء.
لقد انتشرت نصائح الأطباء وخبراء التغذية على كل مواقع التواصل الاجتماعى لتحذر الناس من الأمراض الخطيرة التى تطاردهم فى هذا العصر وأبرزها مرض السرطان، ومع ذلك قليلون هم الذين يستمعون ويعملون بهذه النصائح والتوجيهات والتى يتعلق معظمها بالطعام والشراب والأدوية التى نتعاطاها بعشوائية وتجنب مصادر التلوث، وقليلون جدا هم الذين يراجعون أنفسهم ويتوقفون عن العادات السلوكية الخاطئة، وأخطرها وأبشعها التدخين الذى استشرى بين كل الأعمار والفئات رغم طوفان التحذيرات التى تؤكد أنه القاتل الأول لملايين الناس سنويا.
الاحصائيات والدراسات الطبية تؤكد أن مرض السرطان ثاني الأمراض المسببة للوفاة شيوعا بعد أمراض القلب والأوعية الدموية في مصر.. فالأورام السرطانية- كما يقول د.حسين خالد أستاذ علاج الأورام والمدير الأسبق للمعهد القومى للأورام- في زيادة مضطردة نتيجة انتشار الملوثات في الطعام والشراب والجو والعادات الغذائية السيئة.. مؤكدا أن مقاومة هذا المرض اللعين لا ينبغي أن تقف عند إقامة مستشفيات ومراكز للعلاج وإنفاق مئات الملايين سنويا علي توفير علاجات وأجهزة طبية لعلاج المصابين حيث ينبغي أن يتواكب ذلك مع استراتيجية واضحة للحماية والوقاية.
التقارير الطبية والإحصاءات التي ترصد زيادة انتشار المرض بين مختلف الأعمار تؤكد أن إجراءات وخطط الوقاية عندنا (متواضعة للغاية) وأن الوعي الصحي بخطورة هذا المرض وضرورة تجنب مسبباته والكشف المبكر عنه لا تزال غائبة عن كثير من المصريين حيث يتم اكتشافه في معظم الحالات بعد فوات الأوان وهو ما يؤدي الي إنفاق مبالغ طائلة علي العلاج دون فائدة لنسبة كبيرة من الحالات المرضية.
المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية تؤكد علي ضرورة اهتمام كافة دول العالم بـ "الوقاية من هذا المرض الخطير" مشددة علي أن إجراءات الوقاية ينبغي أن تتقدم خطط العلاج والمواجهة.
صحيح أنه قد يكون للمرض أسباب أخرى غير الطعام والعادات السلوكية السيئة بدليل إصابة أطفال به.. لكن يجب علينا أن نأخذ بما نصح به الأطباء للوقاية من هذا المرض الخطير.
***
وهنا ينبغى أن تواصل وزارة الصحة جهودها لتوعية المواطنين وحثهم علي إجراء الفحوص المعملية للكشف المبكر عن الأورام في معاملها بأسعار رمزية كما.. لكن مع تقديرنا لمثل هذه المبادرات نؤكد أن خطة المقاومة تتطلب استراتيجية أكثر شمولا ووضوحا وحزما وأن هذا الأمر لا ينبغي أن يقتصر علي مبادرات فردية من هذا النوع فالمرض خطير ويحصد أرواح مواطنين من مختلف الأعمار وتكاليف علاجه باهظة ومراكز ومستشفيات علاج الأورام مكتظة بالمرضي رغم انتشارها فى معظم المحافظات وبعض المرضي ينتظر دوره في العلاج مع أن المرض سريع الانتشار وفتاك ويحتاج في الغالب الي تدخل سريع للتعامل معه.
أخبار الأطفال والشباب الذين يتساقطون يوميا بهذا المرض الخطير مؤلمة ومحزنة وتفرض علينا كمواطنين أن نتعرف على أسبابه وأن نلتزم بنصائح وتوجيهات الأطباء وخبراء التغذية، وأن نأخذ بالأسباب ونجرى الفحوص الدورية التى ينصح بها الأطباء الجماهير من مختلف الأعمار وعندما تظهر على الإنسان أعراض معينة يزيد الاحتمال معها بالاصابة بهذا المرض الخطير.
كثير مما نتناوله في الشوارع وخاصة محلات الفول والطعمية الشعبية يمثل خطرا بالغا علي حياتنا وقد صدرت تحذيرات من أطباء كثيرين من خطورة هذه المطاعم علي صحة وحياة المصريين فالزيوت التي تستخدم في قلي الطعمية وغيرها ضارة جدا بالصحة والفول يسوي بإضافة مواد خطيرة لسرعة تجهيزه.. ومع ذلك تنتشر هذه المطاعم في كل مكان وفي كل محافظات مصر دون رقابة ودون تفتيش بعد تراجع دور وزارتي الصحة والتموين في القيام بأهم دور رقابي لهما وهو التفتيش علي المطاعم والاطمئنان علي التزامها بالمعايير الصحية.
إذا كنا جادين في المواجهة الفاعلة لمرض السرطان وغيره من الأمراض الخطيرة يجب أن نعترف بأن الطعام والشراب الملوث يمثل خطورة بالغة علي حياتنا وأن حماية صحتنا وأرواحنا تبدأ من مواجهة جادة لمسببات الأمراض وليس مواجهة الأمراض فحسب ولذلك ينبغي أن تعد وزارة الصحة جيشا جديدا مدربا ومؤهلا من مفتشي الصحة للمرور يوميا علي المطاعم والأسواق لإعدام ما يرونه خطرا علي حياة المصريين ومعاقبة كل من يروج طعاما فاسدا.
المؤسف أن كثيرا من الناس لا يعيرون نصائح وتوجيهات الاطباء أى اهتمام، وبعضهم يبخل على نفسه بثمن الفحص الطبى الذى قد ينقذ حياته، ويدفعه ثمنا للسجائر يوميا، أو يدفعه ثمنا لوجبة غذائية تجلب له المزيد من الأمراضّ!!
ضعف الوعى بخطورة الأمراض هو الذي يلحق بنا الأضرار ونفقد بسببه أعزاء لنا كل يوم، وهو الذى يهدر مئات الملايين وربما المليارات فى علاج هذا المرض.
***
سألت إمام دعاة العصر الشيخ محمد متولى الشعراوى: طالما أن المرض من قدر الله فماذا يفعل الإنسان إذن؟
قال: المرض من قدر الله، والوقاية منه من قدر الله، وبعد الإصابة به فالسعى الى علاجه واتخاذ كل الوسائل لذلك من قدر الله.. فلماذا يختار الإنسان لنفسه من أقدار الله ما يتوافق مع هواه؟
عدت لأساله: ما حكم من يهمل فى حماية نفسه من الأمراض حتى يصاب بها؟
قال: هو مخالف لما أمر الله به، ونذكره بقول الله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة"، وعدم الأخذ بنصائح الأطباء وتوجيهاتهم تهلكة يحاسب عليها الإنسان الذى منحه الله العقل ليدرك ويعى به ما ينفعه وما يضره، وطالما أن الأطباء- وهم أهل الذكر هنا- قد نصحوا ووجهوا فعلينا أن نلتزم بما نصحونا به.