عيون الشعب
تاريخنا عظيم .. مملوء بنماذج مضيئة .. رجال تركوا بصمات لا يمحوها الزمن مهما طال .. اعشق سير هؤلاء العظماء .. أتوقف أمام محطات حياتهم .. اجد متعة وانا اغوص فى اعماقهم .. وكيف نجحوا فى التغلب على عقبات تفوقهم .. وتميزهم .. وانتصروا على اهوائهم .. وان كان هواهم ان يشتغلوا على أنفسهم .. ليصبحوا اعلاما .. وروادا .. اقدم لكم من هؤلاء اليوم .. رائد من رواد الفكر والنهضة .. رفاعه رافع الطهطاوى .. الذى عرفناه معلما وشاعرا وناثرا وصحفيا واديبا ومؤرخا ومترجما .. خاض كل ميادين الفكر والثقافة .. لم ينل من الالقاب الا لقب البكوية الذى يعادل رتبة الأميرالاى وذلك بحكم تدرجه فى الوظائف الحكومية .. وهو ما يعنى ان هدفه لم يكن المنصب أو النفوذ .. وان علمه واجتهاده وطموحه وراء ما وصل اليه من مكانة علمية وثقافية وفكرية جعلته على قمة فقهاء عصره .. ولد الطهطاوى سنة ١٨٠١ فى طهطا .. من أسرة منسبة تنتهى أصولها الى جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن السيدة / فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكان غالبا ما يكون من بين العشرة الأوائل على الثانوية العامة طالب او طالبة من ابناء طهطا .. وكانوا يحرصون على تقديم انفسهم بكل فخر وزهو .. انهم من بلد رفاعة الطهطاوى .. قبل ان يذكروا .. طهطا .. مثلهم مثل كل ابناء طهطا .. وقد حدث معى هذا شخصيا .. فقد كنت المشرف على تنظيم رحلة جريدة الجمهورية لاوائل الثانوية العامة لأوروبا تقديرا لتفوقهم ونبوغهم وكنت اداعبهم واقول لهم .. نريد ان يخرج منكم رفاعة الطهطاوى آخر .. وبرغم المكانة التى وصل اليها الطهطاوى .. عاش حياته يتذكر دائما جذوره فى طهطا .. كان يذهب اليها كل فترة .. والتحق بالازهر عام ١٨١٧ .. بعد ان حفظ القرآن كاملا فى طهطا .. ويمكث فى الأزهر خمس سنوات .. ختم فيها دروسه وأصبح مؤهلا للتدريس بالازهر .. وقد تولى اخوال الطهطاوى رعايته عقب وفاة والده .. واحضروا له بعض كتب الفقه والنحو .. ومن نبوغه انه بعد السنة الأولى فى الأزهر .. كان يلقى دروسا فى مسجد بلدته طهطا حين عودته اليها فى الاجازات الصيفية .. وانكب الطهطاوى على دروسه مثابرا فى الأزهر وعكف على العلم .. لا عمل له غيره .. وكانت امه تمده بالمال الذى يعينه على التفرغ تماما للعلم .. وكانت تسارع ببيع حليها او عقارها .. دون تردد .. حتى يستمر رفاعة الطهطاوى فى الأزهر .. وكان بالفعل ينهل العلوم .. حتى اشتهر وعلا اسمه فى الجامع الأزهر .. وكان الطلاب يلجأون اليه وهو مازال طالبا لشرح ما يتعثرون فيه .. وكان شيوخه يثقون فيه وفى شرحه .. وقد تم تعيينه مدرسا بالازهر وعمره ٢٥ سنة .. وقد نال من تحصيل العلم .. أقصى ما يمكن ان يناله راغب فى العلم من ابناء جيله فى مصر كلها حينذاك .. وتميز الطهطاوى بدقته وحسن اسلوبه وسهولة تعبيره .. ثم عين فى عام ١٨٢٤ واعظا واماما بالجيش المصرى .. واختير فى عام ١٨٢٦ إماما للمبعوثين الذين اوفدهم محمد على للدراسة والتخصص فى العلوم الحديثة .. فى باريس .. من هنا انطلق رفاعة الطهطاوى .. الى الاغتراف من مناهل العلم فى فرنسا .. وادرك ما لم يدركه المبعوثون انفسهم .. ومن سخريات القدر .. ان رفاعة الطهطاوى .. كان عمله فى البعثة إماما .. اى مجرد مسئولا ومشرفا على الطلاب خلال دراستهم .. لكنه حول نفسه إلى دارسا معهم .. واغتنم فرصة العمر .. لم يدعها تمر .. لم يضيع وقته .. بل اخذ يتعلم اللغة الفرنسية منذ وضع قدمه فى الباخرة التى تقله مع اعضاء البعثة الى فرنسا .. وذهب الفتى الى شيخه يودعه ويسأله النصيحة والتوجيه .. جلس الطهطاوى فى السفينة الحربية الفرنسية " لا ترويت " .. يحدد هدفه وطريقه .. وبدأ يتعلم الفرنسية على تفقته الخاصة .. يتطلع الى العلم والمعرفة .. وان ينقل الى الشرق .. مالا يعرفه وما يجهل صنعه .. وهذا ما يعكس اهتمامه بالترجمة واقباله عليها .. وهو ما دفعه الى اقتراح انشاء " مدرسة الألسن " والتى اصبحت كلية الألسن .. كان رفاعة الطهطاوى يؤمن بأن الترجمة .. دعامة اليقظة ونهوض الأمم التى فاتها سبق التقدم .. وأصبح رفاعة .. ناقلا ومترجما لنهضة الغرب .. يحث الناس على الإقبال عليها وتعلمها .. وبذلك اصبح رائد نهضة وامام يقظة .. ينقل لبلده كل ما هو وراء تقدم الغرب .. كان طوال إقامته فى باريس .. يقضى ليله ونهاره فى القراءة والترجمة حتى ضعفت عينه اليسرى ولم يستمع لنصيحة الاطباء بالراحة والامتناع عن القراءة ليلا .. وقد ترجم ١٢ كتابا .. وطوال السنوات الخمس التى امضاها فى باريس .. لم يجد وقتا للسياحة والتجوال فى فرنسا .. أو اوروبا .. وقد ترجم الدستور الفرنسى .. وبعض نصائح الاطباء ليستفيد منها الناس .. وعرف الطهطاوى سر التقدم ومفتاحه : العلوم والفنون والصناعات .. لو أخذت مصر بها لأصبحت سلطانة المدن ورئيسة بلاد الدنيا .. أليست هى ام الدنيا .. كما اطلق رفاعة عليها .. ويهديه استاذه الفرنسى عقب نجاحه فى الامتحان الأول كتابا " رحلة انخرسيس فى بلاد اليونان " .. عبارة عن سبعة مجلدات مطلية بماء الذهب .. وفى الامتحان الثانى اهداه استاذه كتاب : الانيس المفيد للطالب المستفيد تأليف سيودى ساس .. ويقدم لنا رفاعة كتابه البديع : تخليص الابريز .. صورة حية للقاء مثمر بين الشرق والغرب فى العصر الحديث .. ففيه يتماثل النقيضان وتستوى الصورة على وفاق فقد اخذ الغرب علمه عن الشرق وهو مالا ينكره اهل الغرب .. وفور عودة رفاعة تم تعيينه الى جانب عمله مترجما بمدرسة الطب .. ثم انتقل الى مدرسة المدفعية لترجمة الهندسة والفنون الحربية .. وبعد ذلك أنشأ مدرسة الألسن للغات فى عام ١٨٥١ وكان مقرها سراى الدفتروار بالازبكية ومدة الدراسة بها ٥ سنوات .. اشرف رفاعة على هذه المدرسة ووهبها كل جهده .. وقد أسند اليه عباس حلمى .. النهوض بالتعليم فى السودان .. ثم عين رفاعة ناظر لمدرسة الحربية لإعداد ضباط أركان حرب الجيش .. وفى عهد الخديو إسماعيل .. عين رفاعة ناظرا لقلم الترجمة .. ويتولى رفاعة رئاسة تحرير الوقائع المصرية .. رحم الله الطهطاوى الذى رحل عن دنيانا فى ٢٧ مايو ١٨٧٣ .. بعد ان وهبنا علمه وفكره .. لتبقى حياته عظة وعبرة ونموذج امامنا جميعا .