رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

القلق والتوجس من المستقبل المنظور والبعيد، ومن الغد القادم بشتي صوره أمسى لغة أممية فرضتها طبيعة المتغيرات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.

وحتي كتابة هذه السطور تتأرجح ، وتتفاوت الرؤي الاستراتيجية للمستقبل عن تشخيص أسباب الداء والدواء، فما يجري علي أرض الواقع من ظواهر وأزمات مفتعلة وفقاعات وأحداث متتابعة تفوق كل التصورات والتوقعات، وقدرة المنظرين والساسة والخبراء علي تدشين تدابير للمواجهة والتحصن من كافة التداعيات والتأثيرات المؤلمة!.

وخلال السنوات القلائل الأخيرة خاضت البشرية معتركات ومشاحنات ومناطحات، اتخذت اشكالا وصورا عديدة ، بدأت بوادرها مع جائحة كورونا ، وما تبعها من تراشق بين معسكري الشرق والغرب حول الأسباب الحقيقية لنشأة الفيروس وتطوره، ثم معارك تصنيع اللقاحات، وجاءت الطامة الكبرى مع اشتعال حرب روسيا وأوكرانيا، وما أعقبها من أزمات في الغذاء والطاقة، علاوة علي توابع سياسية واقتصادية، وكوراث ومتلازمات أخري.

وتزامن مع هذه النكبات موجات التغيرات المناخية، والتي جسدت ثورة الطبيعة ضد إنسان العصر ، الذي احترف الصناعات كثيفة الانبعاثات الكربونية، فلم تسلم الأنظمة البيئية الطبيعية من فساده وإفساده.

ووسط هذه الأجواء من المؤلم أن ترصد تعدد صور الفقاعات في عالم اليوم، والرؤي الضبابية للمستقبل وسط هذا الصراع المحموم المحفوف بالمخاطر...
فلم تعد امنيات الدول والطامحين من أفرادها، هي مجرد الوصول للحياة الكريمة، أو تحصيل قدر من رغد العيش وتحقيق الأمان، لكن الواقع الجديد أوجد صنوفا من البشر لا تعرف إلا النفعية المطلقة، وتحلم بسيناريوهات عالم القوة والهيمنة، ومكاسب لا حدود لها من الثروة والسلطة والنفوذ!.

وتأتي في مقدمة الفقاعات الأممية، الفقاعات السياسية مابين الاستعلاء والاستقطاب الحاد واستمراء الاستغلال والانتهازية وتحين الفرص.

وعليه تجاوزت فقاعات دنيا السياسة فكرة صناعة عالم جديد إلي إعادة تشكيل خريطة الدنيا، وتدمير الدولة الوطنية، إلي زرع الفتن والشقاق الدائم بين الدول والكيانات المتقاربة لغة وحدودا ومصيرا مشتركا.

أما فقاعات دنيا الاقتصاد فقد فاقت كل الحدود لارتباطها الوثيق بفقاعات السياسة وطموحات الهيمنة المطلقة ، مابين صناعة أزمات مفتعلة للطاقة والغذاء وخلق احتياجات جديدة إلي تكريث هيمنة العملة الخضراء ومحاصرة محاولات الوثوب والفكاك من اسرها عبر تكتلات اقتصادية ومالية جديدة فالمنتفعون هم المؤثرون وهم الناجون من تداعيات الفقاعات الوهمية التي يبثها النظام العالمي الجديد لرواج أفكاره وفرض أيديولوجيته !.

ولاريب أن أزمات العالم وفقاعاته أنتجت صورا متباينة من التضخم والركود لها آثار سلبية علي الاقتصادات الناشئة بما سببته من إرباك لمنظومة إدارة الأنشطة الاقتصادية.

وبينما يتخوف اقتصاديون من حدوث تباطؤ طويل الأمد لحركة الاقتصاد الكلي عالميا ، هناك من يعتبرها فترة لالتقاط الأنفاس وقطف ثمار الضحايا، وجني أرباح مضاعفة !.

ووفقا للخبراء ، فمن ينجح خلال الكساد الاقتصادي عليه أن يوفق توقعاته على المدى الطويل، مع "التكتيكات" قصيرة الأجل، التي تترجم إلى فرص يتم اقتناصها خلال فترات التباطؤ!.

وعلاوة علي توقعات الركود وبطء النمو الاقتصادي العالمي وتداعياته بدت في الأفق مؤشرات تشابه أجواء الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، بعد التأثيرات الموجعة لمشكلات الرهن العقاري بالولايات المتحدة الأمريكية والتي شكلت أكبر فقاعات العصر الحديث، حيث بيعت الأصول والعقارات عشرات المرات، وارتفع سعرها لأرقام خيالية تفوق أسعارها الحقيقية بأضعاف!.
وجسدت هذه الحالة صدق نظرية "الأحمق الأعظم" في علم الاقتصاد، ومؤداها أنه ليس من المُهم السعر الذي تشتري به الأصل، طالما أن ثمة أحمقا ينتظر، وسيشتريه بسعرٍ أعلى ، وبعبارة أخرى تنص النظرية على أنه من الممكن بالفعل جني الأموال عن طريق شراء الأصول ، حتى عندما تكون أسعارها مبالغا فيها، ثم إعادة بيعها، حيث ستتمكن دائما من العثور على شخصٍ ما "أكثر حُمقا" على استعدادٍ لدفع سعرٍ أعلى!

وهذه النظرية شائعة جدا بين المستثمرين الذين يستثمرون في أسهم الشركات ، وتتجلى بشكلٍ أوضح فيما يُعرف باسم "أسواق الفقاعة" أو "اقتصاد الفقاعة" وهو وصف لحالة تحدث عندما تتسبب المضاربة على سلعةٍ ما في تزايد سعرها بطريقة تؤدي لتزايد المضاربة عليها، ومن ثم يبلغ سعر هذه السلعة مستويات خيالية، تماما مثلما تنتفخ الفقاعة، حتى تبلغ مرحلة الانفجار ، ومن ثم الانهيار!.

ومن صورها الفقاعات محاولات إسباغ وجه العالم بالثقافة الأممية الموحدة، بقيم جديدة تتمرد تدريجيا علي الفطرة السوية ، والتعاليم الدينية والموروثات الاخلاقية وترفض التمسك بالهوية ، وترتدي ثياب الحرية المطلقة ، وتنتصر أحيانا للمارقين والشواذ،
وتلتحف زورا بحقوق الإنسان، وبمفاهيم التحرر والتنوير ، وقد قطعت شوطا كبيرا نحو تغييب العقل وتصديق الأكاذيب، بل والترويج لها لتغدو كفقاعات متعاظمة توشك أن تنفجر، وعلي رأس مبتغياته الخبيثة لطمس وتمييع الهوية الحضارية والوطنية.

أما في عالم تكنولوجيا العوالم ما بعد الافتراضية، ظهرت فقاعات عالم الميتافرس وتقنيات الذكاء الاصطناعي ومردوداته الإيجابية والسلبية ، وأحيانا اللاخلاقية!.

والأمر المثير للقلق والتوجس ، ويستحق التأمل والتدبر هو تجاوز نظرية الفقاعات لحدود عالم الاقتصاد والمال، لتستغرق مختلف مناحي الحياة اليومية المعاصرة.

إنها فقاعات عالم اليوم لخلق تصورات وعوالم مغايره تسابق الزمن ، في زيارات متعجلة للمستقبل يفوق قدرة البشر علي الاحتمال والخيال!.

ومابين حقائق وشواهد الواقع المؤلمة وتطلعات التعايش السلمي، يتوق إنسان العصر لعصور ماقبل التاريخ ولشيء من التهدئة، والهدنة لالتقاط الأنفاس ، لكن عجلة الحياة بحلوها ومرها لن تعود للخلف أبدا!.

وتبقي الحقائق المرة أن ما يحدث من متغيرات متسارعة ، بلغت تأثيراتها كل الآفاق شرقا وغربا ، ولامحالة من الفرار منه أو الفكاك من آثارها إلا بالتعايش الإيجابي، وكما يحمل المستقبل الكثير من التوقعات الضبابية والغامضة ، إلا أنه يحمل الكثير من بشارات الأمل لمن أراد الحياة ، وأعاد ترتيب أوراقه وأولوياته وتحصن بترشيد الاستهلاك، ومزيد من صناعة الفرص الإنتاجية وتوظيف الطاقات المبدعة ، وخلق إرادة استقلال القرار وتحقيق أقصي درجات الاكتفاء والاستغناء.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة