كلام .. بكلام
أثار عرض مسلسل " ليلة السقوط " حالة من الجدل فموضوع المسلسل يتناول تنظيم داعش وأفكاره وحرب تحرير العراق والقضية الكردية فهناك من يرى أن تناول مثل هذه القضايا عبر الشاشة الصغيرة، التي تخاطب شرائح متباينة التعليم والوعي والثقافة، يتطلب، أحياناً، هذه المباشرة، لكن الواقع أن المخرج السوري ناجي طعمي لم يستسلم لهذه الفرضية، وبذل جهداً كبيراً في إضفاء ثراءً بصرياً على الرسالة الدرامية، أو بالأحرى السياسية؛ بداية من رصد الخراب الذي حل بالمجتمع العراقي ، على يد الداعشيين، بالإضافة إلى الصــورة، التي قدمها وأسهمت بشكل فاعل وكبير في نجاح العمل.
طارق لطفى صاحب بصمة ليس في الإبداع فحسب بل قدرته الفائقة على ربطه بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية ، وقراءة الواقع بشكل صحيح.
في سياق حوارات المسلسل الذى يكشف فيه الكثير من الأسرار حول حياة الإرهابى وتطوراتها داخل المجتمع والذي برع في تقديمها من خلال شخصية الذباح الذي يصدر حكم قضائي بسجنه من قبل القاضي العراقي إلياس (جواد الشكرجي). وتأتيه فرصة الانتقام منه عندما يحتل تنظيم داعش منطقة الموصل. ويقع القاضي تحت سلطة الإرهابي الداعشي الذي لا يوفر فرصة الانتقام فيدمر له بيته المليء بالآلات الموسيقية والتحف واللوحات ويعرض ابنته التي تعمل بالفن التشكيلي (كندة حنا) للخطر ثم يقوم بجلده علنا.
فأداء طارق لطفى يؤكد على امتلاكه للكثير من «الكاريزما»، التي أضفت عليه أداء شخصية الدباح رونقاً كبيراً، ومن ثم تحول المسلسل إلى مباراة رائعة في الأداء حيث استحضر خبراته، والنضج الذي بلغه، لتقديم عملا رائعا فقد برع في تقديم شخصية الدباح، وكان أكثر نضجاً واختلافاً، وإبداعاً .
إن ما قام به طارق من استحضار المشاعر التلقائية، والقدرة على السيطرة على الشخصية الدرامية،على مدار حلقات العمل وإن كانت المدة الزمنية الطويلة إلا أن المتلقي لا يشعر بلحظة ملل، أو انصراف عن أحداث المسلسل نتيجة أسلوب السرد الذي اعتمده كاتبا السيناريو مجدى صابر والربط بين واقع الشخصيات، والأحداث الاجتماعية التي شهدتها هذه الفترة ، وما قام به مجدي صابر في عمله “التوثيقي” ينطلق من اهتمامه بالبعد البحثي الذي يجب أن يقدم في المسلسل للمشاهد العربي، لكي يتبين مدى خطورة الفكر الداعشي الذي ينقله هؤلاء إلى أولادهم، وبالتالي المخاطر المستقبلية التي تحيط بمستقبل المنطقة العربية كلها ، وان اهتمام الجمهور العربي بالمسلسل، سببه تقديم معلومات وقضايا لم يسبق أن قدمت في عمل عربي مشابه، واستطاع الكاتب تقديم هذه المعلومات في قالب تشويقي موظف حتى تترسخ في ذهن المشاهد العربي ليعي حجم الخطر القادم.
المسلسل ممتع، لا يخلو من الشجن الإنساني، وأغلب الظن أنه سيبقى طويلاً، بعد ما يتحول إلى واحد من أهم الأعمال الدراميه، وسيبقى "طارق لطفى" صاحب بصمة ، وقدرته الفائقة على ربط متغيرات الشخصية طوال فترة العمل.