طيب القول
جاءت القِمَّة العربيّة الـ 32 لمجلس جامعة الدول العربية، فى وقت غاية الصعوبة- إقليميًّا وعالميًّا- وقد احتضنتها مدينةُ جَدَّة السعوديّة، بحضور كلِّ الزعماء والملوك والرؤساء العرب، فكانت "جَدَّة لَمِّ شَمْلِ العرب"، حيث شهدت عودة سوريا إلى حُضنِ العرب بعد قطيعة استمرّت سنوات، فكان حضور الرئيس السورى بشَّار الأسد مَحَطَّ أنظار واهتمام الجميع، فضلا عن أحداث السودان التى ألْقَت بظِلالِها على مجرَى الجلسات، بجانب ما تمُرُّ به المنطقة والوطن العربى كلّه، وعلى رأسه: فلسطين والاعتداءات الأخيرة- بل المستمرة- على قطاع غزَّة من قِبَل المستوطنين وقوَّات الاحتلال الصهيونى، لبنان وما يشهده من فراغ رئاسى وحكومى وأزمات ماليّة مُدمِّرة، ليبيا وتصارُع الأشِقّاء، مصر والسودان ومطالبتهما بالحقوق المائيّة فى نهر النيل، وغيرها من القضايا والمُشْكِلات التى يَعُجُّ بها العالم العربى، بالإضافة إلى الأوضاع العالميّة وتداعياتها وانعكاساتها على الداخل العربى، وأهمّها الحرب الروسيّة- الأوكرانيّة.
عُقدت القمَّة العربية وسط أجواء تفاؤليّة وتوافقيّة على ضرورة التكاتف لحلِّ قضايا الأُمَّة.
وقد اتفق القادة العرب، في البيان الختامي للقمّة العربية العادية، على ضرورة بل وجوب التكاتف والتعاضُد، ورفض أيّة تدخُّلات خارجيّة فى الشئون العربيّة للدول الأعضاء، وكان على رأس القضايا المُتَّفَق عليها قضيّة الشعب الفلسطيني ودعم المبادرة العربيّة لحلِّ الدولتين، الأزمات المُستجَدَّة في السودان وليبيا، فضلا عن قضايا اليمن وسوريا ولبنان، كما شدَّد البيان على الرفض التام للميليشيات والكيانات المُسلَّحة خارج نطاق الدولة وتوحيد المواقف في علاقات الدول العربيّة بمحيطها الإقليمي والدولي.
كما تضمّن البيان الختامي للقمَّة أكثر من 32 بندًا لمختلف القضايا المُلِحَّة في العالم العربي، بدءاً من القضايا السياسيّة والاقتصاديّة الخطيرة، مروراً بالملف الإيراني- مع الترحيب بالاتفاق الذي تمَّ التوصُّل إليه بين المملكة السعودية وإيران في بكِّين، الذي يتضمّن استئناف العلاقات الدبلوماسيّة، وإعادة فتح بعثاتهما، وتفعيل اتفاقيّة التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين- وصولاً إلى قضايا البيئة والأمن السيبراني، والملفَّات الاجتماعيّة والثقافيّة.
فقد أصبحت كل القضايا مُتشابكة ومتقاطعة، يُؤثِّر بعضُها فى الآخر، ما يتطلّب التناول المتوازى لكلِّ الجوانب فى ذاتِ الوقت، لأنَّ حلًّا لجانب دون الآخر، يُعرقِل بل يُجهِضُ أيَّة حلولٍ للجوانب الأخرى.
وتَرَكَّز التوجُّه والدور المصرى الواضح، فى الكلمة التى ألقاها الرئيس عبدالفتاح السيسى، وأكَّدَ خلالها على عِدّة نقاط وأمور غاية فى الأهمية، مثل: الأمن القومي العربي كُلٌّ لا يتجزَّأ، داعيا إلى الحفاظ على الدولة الوطنيّة، باعتبارها فرض عين وضرورة حياة لمستقبل الشعوب ومقدَّراتها. وأن الاعتماد على جهودنا المشتركة وقُدْرَاتنا الذاتيّة لصياغة حلول حاسمة لقضايانا أصبح واجبًا ومسئولية. وأنه لابد من تفعيل مفهوم العمل العربي المشترك.
وحذَّر الرئيس السيسى من حالة الاستقطاب الدولي التى أصبحت تُهدِّد منظومة العولمة التي كان العالم يحتفي بها. لذا تؤكِّد مصر استمرار جهودها لتثبيت التهدئة بين إسرائيل وفلسطين، وتُحذِّر من أن استمرار إدارة الصراع عسكريًا وأمنيًّا سيؤدّى إلى عواقب وخيمة على الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.
وأشار إلى أن الأزمة في السودان تُنْذِر بصراع طويل وتبعات كارثيّة على السودان والمنطقة.
وأن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربيّة تُعَدُّ بمثابة التفعيل العملي للدور العربي وبدء مسيرة عربيّة لتسوية الأزمة السوريّة.
وأكد أن مصر تدعم بكل صدق وإخلاص جميع الجهود الحقيقيّة لتفعيل الدور العربي، إيمانا منها بأن المُقاربات العربيّة المشتركة هي الوسيلة المُثْلَى لمُراعاة مصالحنا وتوفير الحماية الجماعيّة لشعوبنا.
وفى النهاية، لا يسعنا إلا الدعاء إلى الله تعالى بأن "تحيا الأمة العربية".